الرئيسية » تحقيقات » بلاغ إلى وزير الداخلية .. إمبابة أخطر من الباطنية

بلاغ إلى وزير الداخلية .. إمبابة أخطر من الباطنية

بلاغ إلى وزير الداخلية .. إمبابة أخطر من الباطنية

 

إذا كنت تنوى اختصارها فى مطبعة، أو كوبرى فأنت مخطئ، وإن كنت ممن يرونها على صفحات الجرائد فى صورة مطار يحاصره الشد والجذب بين الحكومة والسكان، فقد جانبك الصواب، فهى فى الأصل «نبابة» التى أصبحت الآن «إمبابة»، والتى تعنى باللغة الأمهرية «شجرة الدوم المصرية» حسب بعض المصادر التاريخية، وأيا كان الاسم ومعناه، فمن الظلم النظر لهذه البقعة الواقعة شمال محافظة الجيزة من هذه الزوايا القاصرة التى لا تتناسب مع كونها مكانا قديما قدم البلد وأهله.
يبدأ تاريخ إمبابة منذ أن كانت مرسى لتجار الجمال القادمين لمصر من السودان، مرورا بوقت كانت فيه موقعاً لإحدى المعارك التى سميت باسمها ودارت رحاها بين قوات الحملة الفرنسية والمماليك، وحتى العصر الحديث الذى شهدت فى أحد أيامه معركة من نوع آخر وقفت فيها الشرطة وجها لوجه ضد تطرف الجماعات الإرهابية التى قام أحد رؤوسها «الشيخ جابر» عام ١٩٩٢، بعزل إمبابة عن مصر وإعلانها جمهورية إسلامية فى فترة شهدت استفحالا لهذه الجماعات.
كله فى إمبابة موجود»..

لمن يريد السكن فى إمبابة فتوجد فى منطقتين، الأولى هى مدينة التحرير لهدوئها، ووجود الكثير من الطبقات المتعلمة فيها، كالأطباء والمهندسين، مما أدى إلى أن يطلق الناس عليها «زمالك إمبابة»، ولذلك تتراوح أسعار الشقق فيها بين  ١٣٥ و200 ألف جنيه، للمساحات بين ٨٥ و٩٠ متراً، وتتساوى معها فى الأسعار مدينة الطلبة التى تتميز بنفس الهدوء، تليهما فى القائمة مدينة العمال، بسبب شوارعها الواسعة،
بالإضافة إلى وجود شقق للإيجار على العكس من مدينة التحرير التى نادرا ما توجد بها وحدات للإيجار، لكن أغلب سكان مدينة العمال يؤجرون منازلهم، وهذا ما يدفع العديد من طالبى السكن إلى الاتجاه إليها، فى ظل اتجاه أغلب سكانها للابتعاد إلى مناطق أخرى، ويرجع ارتفاع الأسعار فى هذه المنطقة إلى وجود الشارع الذى توجد به المطبعة، وموقف السيارات، والسوق، مما جعله حيويا جدا لدرجة أنه معروف بين أهل إمبابة باسم «الشارع التجارى».
ويرى سكان مدينة العمال أن هناك أسبابا أخرى غير الأسباب المادية، تدفع الناس إلى السكن فيها، فيقول على عطية، أحد سكان المدينة منذ ما يقرب من ٦٠ عاما: «المدينة كانت مخصصة للعمال، والمباني فيها رخيصة الثمن حيث كان تملك شقة فيها يتطلب ٤٠٠ جنيه فقط، ويتم دفعها على أقساط، وهو ما حدث مع والدى الذى كان من العاملين فى الورش الأميرية بالترسانة، وقد تسلم الوحدة السكنية الخاصة به من الراحل حسين الشافعى، أحد رجال الثورة، ونائب الرئيس جمال عبدالناصر، وقد كانت المنطقة هادئة جدا وتقتصر على عائلات العمال والمهندسين،
لكن بعد أزمة السكن اتجه أغلبية السكان إلى حل الأزمة وزيادة دخلهم من خلال بناء أدوار إضافية، مما أدى إلى ازدحامها، ليقوم البعض الآخر بتركها بسبب الزحام، وبعد أن سادت فيها البلطجة، لكن رغم ذلك تعد مدينة العمال أفضل كثيرا من أماكن أخرى عشوائية فى إمبابة تحكمها البلطجة، مثل بشتيل، والبصراوى، والمنيرة».
لماذا أصبحت عشوائية؟ يجيب عن السؤال الدكتور عباس زهران، الأستاذ المساعد فى كلية التخطيط العمرانى- جامعة القاهرة، قائلا: «غياب التخطيط عن أى منطقة هو مسؤولية مشتركة بين المواطنين الذين لا يجدون مساكن بأسعار مناسبة أو يرغبون فى زيادة دخلهم فيقومون بالبناء بشكل عشوائى، والحكومة التى تتركهم دون ضوابط أو عقوبات».
وأضاف زهران: «فى حالة إمبابة نجد أننا نتحدث عن مكان كان مقسما إلى أحواض زراعية تحولت إلى أراضى بناء دون تخطيط، أو طابع معمارى، لدرجة وجود شوارع بها لا يزيد عرضها على مترين، والسبب يعود إلى فترة الستينيات حينما انحازت الحكومة للفقراء.
ورأى زهران أن الحل يكمن فى أمرين، أولهما الاهتمام الحكومى بالمستثمر الصغير- صاحب العمارة- بإصدار قانون يزيل من نفسه ما سماه «عقدة الإيجار القديم»، حتى لا يلجأ إلى نظام التمليك الذى لا تقدر عليه الأغلبية فنعود إلى نفس الدائرة المفرغة، والثانى هو أن تتولى الحكومة تخطيط أراض للبسطاء ليبنوا عليها وفق ضوابط محددة، بدلا من اللجوء إلى العشوائيات.
بمجرد دخولك إمبابة عن طريق النفق، أو كوبرى إمبابة المعدنى الشهير يستقبلك جزء من التاريخ ممثلاً فى المطابع الأميرية التى أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرارا بإنشائها فى أغسطس ١٩٥٦، لتنتقل فى نفس العام من بولاق حيث مقرها القديم من أيام محمد على باشا، إلى إمبابة على مساحة قدرها ٣٥ ألف متر مربع تقريبا، ويلحق بها أحد مظاهر الاشتراكية فى صورة «مدينة العمال» التى كانت فى فترة الخمسينيات والستينيات مسكنا لأصحاب «الياقات الزرقاء» من المهندسين، والعمال الذين كانوا أبطال الحقبة الناصرية، وتمر الأيام على إمبابة وتتحول من مشروع مدينة مخططة إلى أحد أكبر التجمعات العشوائية.
.
ووفقا للتقارير الامنية المصرية فان عام 1980 شهد هجرة مجموعتين من تنظيم الجهاد من اسيوط سلكتا طريقين مختلفين، حيث استقرت الاولى في عين شمس واستقرت الثانية في امبابة. وفيما سيطرت الاولى على مسجد “آدم” سيطرت الثانية على مسجد “البصراوي” وتولى افرادها اقامة “عزب” حول حي امبابة لعزله عن العاصمة. وبرز مثلث العنف في بداية الثمانينات باضلاعه الثلاثة: اسيوط – عين شمس – امبابة، وتولت حملة امنية “تصفية” المثلث عقب اغتيال الرئيس السادات. وفي حين هدأت الاوضاع في عين شمس عاد قطار العنف في اسيوط منذ نيسان ابريل الماضي. اما امبابة فشهدت سنوات من الهدوء الا من بعض الاحداث والمفاجآت التي كانت في اغلبها خلافات بين اعضاء في الجماعات الدينية وبعض المسيحيين، حتى وقع حادث اغتيال الدكتور رفعت المحجوب قبل نحو عامين وثبت من التحقيقات ان اعضاء الجهاد الذين تولوا تنفيذ الحادث انطلقوا من امبابة وان احد قياديي الجناح العسكري، وهو ممدوح علي يوسف، كان احد العناصر النشطة لتنظيم الجهاد في امبابة.
هكذا كانت كل الظروف تحتم تدخل اجهزة الامن المصرية للقضاء على امبراطورية التطرف في امبابة لاعادة الامور الى نصابها وفرض هيبة الدولة، وتشكلت لجنة يرأسها وزير الداخلية اللواء محمد عبدالحليم موسى ضمت مساعدين لشؤون امن الدولة والامن العام والامن المركزي والمنطقة المركزية والجيزة، وتم الاتفاق على ان يتم حشد اكبر عدد من القوات المتطوعة لضمان قدر كبير من النجاح للحملة التي استهدفت اعتقال زعماء الجماعات المتطرفة الذين لجأوا الى امبابة.
واستهدفت الحملة ايضا دهم عدد من المطابع الخاصة التي تطبع منشورات وكتباً تحتوي افكاراً مناهضة لنظام الحكم وتروج للافكار المتطرفة وتدعو المواطنين الى اثارة الفوضى واعمال العنف ومقاومة السلطات والعمل على قلب نظام الحكم بالقوة، الى جانب ضبط الاسلحة ومخازن الذخيرة وقطع الاسلحة البيضاء والعبوات الناسفة والقنابل اليدوية التي يستخدمها المتطرفون في عملياتهم الارهابية ضد قوات الامن وترويع المواطنين وفرض سيطرتهم عليهم. وتضمن الخطة ازالة كل مظاهر التعديات على الامور العادية للحياة اليومية في المنطقة، مثل السرادقات واسماء الشوارع ومناطق الدروس والاكمنة التي عمد المتطرفون الى اجرائها لتنفيذ مخططاتهم وابراز سيطرتهم على الحي.
وتم تحديد يوم 8 من الشهر الجاري لبدء تنفيذ الحملة، على الا تنتهي الا بعد تحقيق اهدافها تماما واعتقال جميع “العناصر المطلوبة” واعادة الهدوء والسكينة الى قلوب الاهالي وتغيير اسلوب الحياة داخل المنطقة ليعود الى ما كان عليه قبل ان يحتلها المتطرفون ويفرضون سيطرتهم عليها. وقبل ساعة الصفر بأيام كان مئات عدة من رجال الشرطة السريين داخل الحي يمارسون اعمالا لا تثير الشبهات، مثل جمع القمامة وبيع الاطعمة والمأكولات. وتولى هؤلاء رصد الاماكن التي يتردد عليها اعضاء الجماعات الدينية المتطرفة والاوكار التي يختبئون فيها ويأخذون منها “موقعا للتخطيط للعمليات الارهابية” والانطلاق الى احياء وربما محافظات اخرى لتحقيق “اهداف الجماعة”.
انطلقت سيارات عامة تابعة لبعض الشركات وهيئة النقل العام وعربات نقل الموتى تحمل مئات من قوات الامن “وتصبها” داخل حي امبابة، فيما كان آلاف من جنود الامن المركزي يفرضون سياجاً كاملا حول الحي والقرى التابعة له وعبر شبكة لاسلكي شاملة لتأمين التنسيق بين الجميع، فيما كانت كلاب الشرطة تقف على حدود المناطق الزراعية القريبة من امبابة استعداداً لمطاردة العناصر التي تنوي الفرار في هذا الاتجاه.
وأكد مصدر امني كبير في الحملة لـپ”الوسط” ان تعليمات مشددة صدرت للضباط والجنود بعدم اطلاق الرصاص او استخدام العنف اثناء القبض على “الارهابيين” الا في حالة الدفاع عن النفس فقط وتفاديا لاصابة اي من المواطنين الابرياء ولاعطاء الجميع الشعور بأن الشرطة قادرة على تنفيذ القانون في هدوء ومن دون عنف.
ولم يخف المصدر سعادته “لأن الحملة حققت نجاحا كبيرا”، مشيرا الى انه كان يتوقع حدوث معارك وقتال مع بعض المتطرفين الا ان هذا لم يحدث “لأن عنصر المفاجأة الذي تحقق شل حركتهم وسبب لهم الذعر ومكن الشرطة من القبض على اعداد كبيرة منهم قبل ان يتمكنوا من استخدام السلاح الذي ضبط في حوزتهم”.
وطوال ايام الحملة كانت اعداد المعتقلين تتزايد وبلغت مئات عدة الا ان مسؤولا امنيا اكد لـپ”الوسط” انه تم الافراج عن عدد كبير منهم بعد ان ثبت من التحقيقات ان لا علاقة لهم بالجماعات الدينية المتطرفة، فيما اسفرت الحملة عن ضبط قيادات في تنظيم “الجهاد” و”الشوقية”، بعضهم لجأ الى امبابة فراراً من مطاردة اجهزة الامن لهم في محافظات الصعيد والفيوم.
وعثرت الشرطة على كميات من الاسلحة والمتفجرات والذخائر واسلحة بيضاء وعبوات ناسفة وآلاف من المنشورات التي كان المتطرفون يوزعونها على اهالي الحي وتتضمن انتقادات شديدة للحكومة وهجوما حاداً على قيادات الشرطة وتهديداً بالانتقام منهم، اضافة الى وثائق وصفها مصدر امني بأنها “على درجة كبيرة من الخطورة”، وتثبت تلقي قيادات الجماعات الدينية تعليمات وفتاوى من الدكتور عمر عبدالرحمن امير تنظيم الجهاد الذي يعيش حاليا في الولايات المتحدة الاميركية، مشيراً الى ان الشرطة عثرت لدى احد المعتقلين على نسخة من “ميثاق العمل الاسلامي” الذي يعتبره المتطرفون في مصر دستوراً لهم.
إذا اتجهت إلى منطقة إمبابة بالجيزة، ستجد الوضع أكثر سوءا في منطقتي الحكورة وشقير رغم أن مساحتهما ليست كبيرة، إضافة إلى اشتراكهما في الأنشطة الإجرامية، فمنطقة «الحكورة» والتى يفصل بينها وبين منطقة الزمالك الكيت كات والنيل ، تعتبر وكراً للمخدرات وتجارة الحشيش، ولأن المخدرات تحتاج لمن يحميها يكثر البلطجية، وكله هناك بالدراع، حتى أن بعض أبناء الحكورة كانوا وقود الأحداث التي وقعت أمام مسرح البالون عام 2011 أيام المجلس العسكرى لطنطاوى وعنان ، وقد تقاضى الفرد مبلغا يتراوح بين 30 إلى 50 جنيها، ومنهم من كان هناك للمجاملة، والوضع في شقير لا يختلف كثيرا عن الحكورة, مع الفارق أن تجارة الحشيش في شقير تسيطر عليها النساء، وعلى رأسهم المعلمة «قدارة» وهى من أشهر تجار المخدرات ولا يخفى اسمها على أحد من أبناء المنطقة، والمناطق المحيطة بها أسفل الطريق الدائرى عند شارع القوصية بإمبابة، وكذلك منطقة البصراوى وهى من أعنف المناطق، وأكثرها تسلحا وذلك لجذور سكانها التي تعود إلى «بنى محمد» إحدى قرى الصعيد

مصطفى محمد

بلاغ إلى وزير الداخلية .. إمبابة أخطر من الباطنية   إذا كنت تنوى اختصارها فى مطبعة، أو كوبرى فأنت مخطئ، وإن كنت ممن يرونها على صفحات الجرائد فى صورة مطار يحاصره الشد والجذب بين الحكومة والسكان، فقد جانبك الصواب، فهى فى الأصل «نبابة» التى أصبحت الآن «إمبابة»، والتى تعنى باللغة الأمهرية «شجرة الدوم المصرية» حسب …

عناصر المراجعه :

تقييم المستخدمون: 4.35 ( 1 أصوات)
0

2 تعليقان

  1. الله ينور يا ريس
    تسلم على المعلومات الجميلة دى

  2. ربنا يخليك يا أستاذ وائل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*