.

.

رواية” المتمرد” الجزء الأول

1 min read

رواية “المتمرد”

تأليف مصطفى محمد

 


الفكرة الرئيسيةللرواية ……” عود نفسك على الفرح حتى يعتاد عليك…..أشعر نفسك بالأمل حتى تجد الدنيا بين يديك…أفرح بما لديك حتى يأتيك أكثر مما تتخيل…تفائل

(1)

رحلة

كعادته أنطلق منير وسط الزحام  فهو يعشق الزحام …يعشق القطارات …يعشق المترو على الرغم من أن صوتى القطار والمترو يشعراه بعدم الأمان وأنهما قادمان لخطف شىء عزيز على قلبه ولكنه   يعشق النظر إليهما عندما يقرر البدء فى كتابة رواية جديدة يتوجه إلى مكانه الأثير محطة القطار أو محطة المترو …يعشق التعمق فى مشاكل الأخريين والغوص فى أبعاد الشخصيات لاسيما البعد النفسى ثمة تغيير كبير طرأ على شخصيته  أحتار كل من حوله فى تحليل شخصيته وهو يرى أن التطور الواقع عليه للأفضل …يشعر دائما أنه يتقدم..الخط العريض لشخصيته أنه شخص رومانسى وحالم وطموح يهوى المغامرات ويعشق التحدى لايفتعل يفعل ما يشعر به بالضبط دون زيادة أو نقصان تصرفاته مرأة لما يعتمل فى نفسه …متفائل دائما ويبث التفاؤل فى كل من حوله واضح جدا وصريح لذا يصدقه كل من حوله فى أى تصرف عندما يكون هادىء يبهر من حوله بهدوئه وعندما يكون ثرثار يستمع له من حوله بإهتمام لأنهم يجدوا فى كلامه وبين السطور عبرة أو حكمة أو موقف أو قصة تستحق الوقوف أمامها والتعلم منها …عندما ينفعل يختبىء كل من أمامه خوفا منه البعض يصفه بالمربك أى أنهم يصابوا بالإرتباك بمجرد رؤيته … ماهر جدا فى توصيل الرسالة لأى شخص فى أى وقت وفى أى مكان بمنتهى السهولة لايهوى إذاء أحد ولكنه لا يترك حقه يتبع دائما سياسة ” قرص الودن” بمعنى أنه قد يقلق من يجرحه لمجرد أن يوصل رسالة مغزاها  أنه بمقدروه الرد على موقفه تجاهه الصاع صاعين ولكن يتعفف عن الأذى لأن في حياته أولويات أهم من التوقف أمام صغائر الحمقى….سر نجاح منير فى بساطته يؤمن أنه ليس ملاك أو قديس أو شيطان أو أبليس يؤمن أنه إنسان غير معصوم من الخطأ ولكن لايجب أن يتخذ الخطأ كحق مكتسب السر أنه لايسعى السعى المرضى إلى المثالية ولكن بساطته تجعل منه مثالي دون عناء منه لأنه يصدق مايفعله وينغمس فى تصرفاته وأفعاله ومواقفه وحياته بكل كيانه هو لايهوى التحدث عن نفسه ولكن من أراد أن يفهمه عليه أن يحلل مواقفه لأنه يتصرف بعفوية متناهية وسر سعادته في عزيمته القوية وإرادته الحديدية…ينجح وينجح وينجح ولا يتفاخر بإنجازاته كل ماسبق أشياء لم تتغير فيه على مدار سنوات كثيرة ولكن أبرز المتغيرات التى طرأت على شخصيته أصبح أكثر واقعية صحيح هو غير مؤذى ويمنح للأخريين فرصة مرة وأخرى وثالثة ولكن عندما يغضب يقلب الترابيزة بشكل يرعب من حوله هو لايكره أحد لأنه مؤمن أن المشاعر السلبية من عينة الحقد والغل والكره لاتؤذى سوى من يحملها تجاه الأخريين فى حياته أشخاص يحبهم وأشخاص مشاعره محايدة تجاههم لايحبهم ولا يكرههم ولا يفكر فيهم من الأساس هو يركز مع نفسه فقط ولكن يهب حياته لمن يحبهم إذا ما شعر أنهم فى  حاجة إليه فهو رجل المعادلة الصعبة أكثر شخص يمكن أن تقابله فى حياتك يتمسك بالعادات والتقاليد وفى المقابل أكثر شخص يمكن أن تقابله فى حياتك ينسف التقاليد البالية أو التى يراها بالية يعشق الإختلاف ولكن يكره الإفتعال….أنطلق المترو من محطة المرج وجلس منير سارحا موزعا نظراته مابين النظر من شباك المترو والنظر إلى الركاب من حوله فهذه متسولة ترتدى النقاب وهذا شخص صوته عالى يبيع كروت الشحن وعلى بعد خطوات قليلة  مجموعة شباب يتخذوا السخرية من الركاب وسيلة للضحك أنها السخافة بعينها كما يراها هو الأصوات المرتفعة المتداخلة تختلط ببعضها وتخرج ضجيج لايطاق فيهرب منه بالنظر من الشباك…اليوم قرر أن يتمرد من جديد ويبقى فى المترو إلى أخر الخط ياله من مجنون قرر أن يركب أكثر من ثلاثين محطة مترو خط المرج- حلوان وهو فى محطة عزبة النخل تذكر أول فتاة قابلها فى حياته وهى “إيمان ” حيث راها لأول مرة فى موقف الأتوبيس فى ميدان لبنان وتكرر مشهد رؤيته لها كل يوم فى نفس الميعاد أنها تستقل أتوبيس ميدان لبنان العباسية  ظل يتابعها من بعيد لبعيد حتى عرف عنها كل شىء ليسانس أداب قسم علم النفس فتاة طموحة وعملية تعمل مدرسة علم نفس فى مدرسة ثانوية للبنين وتتسم شخصيتها بالجدية حيث يخشاها الطلاب  حاول أن يلفت نظرها ولكنها صدته أكثر من مرة وعندما وجدت إلحاحه قالت له” تعالى أتقدم ونشوف إنت مناسب ولا لأ” وافقت على مضض كانت دقيقة جدا وتريد أن تعرف عنه تفاصيل التفاصيل كانت غير مقتنعة برغبته فى أن يسلك مسلك كتابة الروايات وكانت تراه واهم وسطحى وكانت جملتها المتكررة دايما له” الهبل ده ميأكلش عيش وميفتحش بيت” عندما أقترب منها شعر أنه لاتناسبه مطلقا وتحبطه دائما وتسفه من أفكاره ومتسلطة وتريد أن تحجر على قناعاته فقال لها ” إنتى أبعد كتير من إنك تفهمينى روحى أتجوزى موظف بمرتب كبير يدخل عليكى ببطيخة وجورنال وعرقان وريحته وحشة” ومنها إلى ” منى” ذات مرة كان فى طريقه إلى تسليم رواية جديدة له فى إحدى دور النشر وفى العمارة التى توجد بها دار النشر قابل منى فى الأسانسير فبهرته بشياكتها وروحها الخفيفة  وكعادته طاردها وللحق لم يجد صعوبة فى لفت نظرها تقدم لها ووافقت وتمت خطوبتهما  ولكنه عانى من تحررها وسهرها الدائم فى الكافيهات والديسكوهات فكان لابد أن يحسم أموره واجهها فوصفته بالرجعية فخلع لها الدبلة وقال لها” دى تجربة تعلمنى إن مش كل اللى بيلمع دهب” ومنها إلى “نشوى” التى تعرف عليها أثناء زيارته لصديقه حسن فى المستشفى حيث كانت فى زيارة لعمها الذى كان يرقد فى الغرفة المجاورة لحسن وكعادته صمم أن يتعرف عليها  وعلم أنها خريجة كلية تجارة خارجية ولكنها كانت غامضة وحزينة دائما وعلى الرغم من محاولاته المستميتة لبث التفاؤل فيها إلا أنها كانت تسرح كثيرا وفجأة تغيرت معاملتها معه وقررت أن تعامله برومانسية وذات مرة ندهت عليه بالخطأ وقالت ياسيف وأعتذرت له وجلس يتناقش معها  وعلم منها أنها مازلت تحب حبيبها القديم فقرر فسخ الخطوبة فجأة أفاق ونظر أمامه وجد أنه وصل إلى محطة” سراى القبة” أنطلق المترو وعاد هو إلى ذكرياته مرة أخرى فتذكر ” علياء” التى تعرف عليها فى معرض الكتاب  ولفتت نظره بثقافتها وجرأتها فى التعرف عليه وشعر أنه وجد فتاة أحلامه وقرر أن يخطبها ولكن كالعادة تحطمت أحلامه على صخرة واقع شخصيتها حيث وجد أن وقتها كله موزع على الندوات الثقافية والصالونات الأدبية والحديث عن الأدباء والمثقفين ومتابعة الحركة الأدبية فى مصر والوطن العربى ولا يوجد أى إهتمام بمستقبلهما سويا فكان لابد من إنهاء الخطوبة

ومنها إلى حنان التى تعرف عليها فى إحدى الرحلات التى أبهرته  بتوازنها فى التحدث بالكلمة المناسبة  فى الوقت المناسب وشعر أنها سوف تعوضه عن كل من فاتوا ولكن أكتشف أن كلامها كله عن الأكل والطبيخ والمفارش والبصل والمخللات  وخلافه وعندما يتحدث معها برومانسية لاتتجاوب معه ولفت نظرها أكثر من مرة ولكنها أستمرت على نفس المنوال وكأنه لم يقل لها شىء فقرر أن ينهى القصة وقال لها” أنا مش عايز أتجوز طباخة أنا عايز إنسانة من لحم ودم تحس بيا فى كل الأوقات أقدر أفضفض لها بكل اللى جوايا وتسمعنى وتنصحنى وتأخد وتدى معايا فى الكلام مش عايز أتجوز واحدة أقولها بحبك تقوللى دقية البامية …مقدرش أعيش من غيرك تقوللى عملالك كوسة تاكل صوابعك وراها” ثم تركها… ومنها إلى دعاء  التى تعرف عليها فى فرح صديقه إبراهيم حيث كانت صديقة العروسة  وكالعادة حدث المشهد المتكرر وعلم أنها صحفية كان كل وقتها مع مصادرها وكانت تتأخر عليه وكلما أتصل بها تخبره أنها فى النقابة فشعر أنه ليس فى ترتيب أولوياتها فقرر فسخ الخطوبة” ذكرياته مع علاقاته سيطرت عليه طول الطريق فجأة أفاق فى محطة أحمد عرابى على عطل فى المترو وأستمر العطل لمدة ربع ساعة ثم أنطلق المترو مرة أخرى حيث شهد المترو مشادة كلامية بين رجلان يتحدثان فى السياسة تحولت المشادة إلى مشاجرة  وفى محطة سعد زعلول حدثت مشاجرة فى عربة السيدات على مين اللى تقعد ….بين المحطة والأخرى يخرج من ذكرياته وينشغل بحدث يقع أمامه.

(2)

لعبة الحياة

على الرغم من إنطلاقه وتحرره وبساطته فى التعامل وتحرره من أى ضغوط إلا أنه يؤمن أنه يلعب لعبة عميقة مع الحياة أنها لعبة” شد الحبل” عندما يكتئب يؤكد أن الدنيا جذبت الحبل ناحيتها وعندما ينطلق ويكون فى قمة سعادته يؤمن أنه جذب الحبل ناحيته مع الوقت أصبح أكثر حذرا وعندما يكون سعيدا يعش اللحظات الجميلة بكل كيانه وينغمس فيها وفى أدق تفاصيلها…أنه التمرد الذى يدفعه دائما لأن يثور على الرتابة …أنه أكثر إنسان ممكن أن تقابله فى حياتك يتعلم من تجاربه عندما يسقط ينهض أقوى كثيرا مما سبق لأن الفشل واليأس والإنهزامية هم أعدائه الحقيقيين لايكل ولا يمل من التمرد ظل سارحا ناظرا من شباك المترو فوجد أمامه محطة دار السلام أبتسم وتذكر ولاء البنت الشعبية التى صادفها فى الأتوبيس حيث كان سارحا فى الأتوبيس فأفاق على صوت صياحها أنها تضرب شاب لأنه حاول التحرش بها فعجبته بجرأتها وشجاعتها فأنطلق نحوها وقرر أن يكون أشجع منها فعرف عنوانها وقرر أن يفاجئها ويتقدم لطلب يدها حيث فوجئت به يطرق على  باب البيت ودخل فى تحقيق بوليسى من قبل أهلها وقص لهم عن الموقف الذى جعله يتقدم بثبات لخطوبتها تمت الخطوبة ولكن كانت الفجوة تتسع بينهما أنها تعانى من تسلط زوج أمها  المقيم معهم فى الشقة ولكنها تكشر عن أنيابها تجاهه مما يجعل من المشاجرات بينهما مشهد متكرر وهذا بدوره أنعكس على طريقة تعاملها ونظرتها للرجال حتى منير الذى حاول مرارا وتكرارا أن يمحى تلك الصورة القاتمة فى ذهنها عن الرجال بتصرفاته ورومانسيته ولكنها لم تستجيب كانت خشنة التعامل ومستسلمة لأفكارها السوداء عن الرجال فكان اللقاء الأخير وقال لها” أنا حاولت كتير أستوعبك وده واجبى ناحيتك اللى بيحب حد لازم يستحمله ويستوعبه فى الأوقات لكن لما تبقى بصورة واحدة طول الوقت صعب أوى نكمل مع بعض ثم خلع الدبلة لها وتركها”  ومنها إلى دلال التى تعرف عليها عندما كان يقدم إحدى رواياته فى إحدى دور النشر فوجد سكرتيرة لطيفة جميلة لاحظ بخبرته أنها تختلق الحوارات معه لكى يبقى معها أطول فترة ممكنة لاحظ ذلك عندما لم يجد صاحب دار النشر وقالت له ” هو ناقص له عشر دقائق …أستنى هأتأكدلك”…ثم دخلت بالموبايل فى الغرفة وسمع الحوار الدار بينهما وعلم أن صاحب دار النشر أمامه   ساعة ليصل  ثم خرجت وقالت له” مش قولت لك قدامه عشر دقائق أقعد هو خلاص جاى” فأبتسم وخلال الساعة كانت تتحرى عنه وتنظر على  أصابعه وفظهرت على وجهها إبتسامة عميقة عندما لم تجد دبلة  وكالعادة وعندما تمت خطبتهما أكتشف أنها سطحية  وإهتمامتها كلها منصبة على النوم ثم الديكورات والسينما والخروجات.وكالعادة كان اللقاء الأخيرقال لها” المشكلة إن محور حياتك مينفعش يكون غير جزء من حياتى”..ثم أفاق على كلمات أغنية دوام الحال” لعمرو دياب  إمبارح كنت بقول لو أفترقنا تكون حياتى دى نهايتها والنهاردة بقيت بقول مش عايز حد قدامى يجيب سيرتها معقول أنا أشوف حياتى تبتدى بعد نهايتها” ثم تحدث مع نفسه وقال أكيد أنا مش ملاك لكن اللى أنا متأكد منه أكتر إنى ملقيتش لسه الحب الحقيقى …أيوه محبتش حد فى كل دول  ….الفكرة فى أى نهاية لأى علاقة إنك فى كل مرة بتنهى علاقة بتفتكر إن الدنيا هتبقى سودا ومش هتعرف تعيش بعد كده ولما بتصادف حد  بتنسى إنت عملت أيه قبل كده الحياة لازم تستمر…التمرد لازم يبقى سلاحك …خليك زى التوربينى دوس ولما تقف يبقى بمزاجك إنت ….وصل إلى المحطة  الأخيرة وأستعد للعودة وفى العودة شاهد ساندى أول بنت أعترف لها بمشاعره ومعها ولد صغير تنده عليه منير …منير وبنت فجأة يظهر شخص دميم وكرشه مستفز يصيح فيها بصوت غليظ ماتلمى عيالك اللى مش متربين دول ….فالحة العيال عايزين العيال محتاجين وأنا عايزة وأنا مش عارفة جتكوا القرف كلكوا  تنظر إلى منير ثم تنظر إلى الأرض  ينظر إليها منير نظرة تطمينية مع خلفية لكلمات أغنية تامر حسنى ” قسمة ونصيب” …” أيوه كل واحد فينا راح وعاش حب جديد بس لسه الخير مالينا وكل شىء قسمة ونصيب وياريت اللى يشوفها يسألها عاملة أيه وياريت يطمن خوفها مش هأقول كان بينا أيه وقولوا لها اللى كان بينا ميخلهاش تشوفنى تبص بعيد أى واحدة ممكن تضعف أدام حبيبها دى شىء أكيد وأنا أكتر واحد عارف من جواها ملاك  قلبه رقيق واللى كان بينا فى عينيا ذكريات إحساس برىء حتى أنا أيوه أنا  اللى بعدك حبيتها وطلعت أنا  مش أول حب فى حياتها وهى دايرة وبتدور علينا علينا كلنا ما أحنا خدنا حاجات كتير مكنتش أصلا حقنا”

ثم يقرر الإنتقام من عجل البحر المدعو زوجها فمر من خلفه وضربه بشنطته وقال له لامؤاخذة يا أستاذ فألتفت له سعد” زوج ساندى” وقال له أيييييه مش تفتح  فرد عليه منير ” ما أنا قولت لحضرتك أسف كون إن أنت فرحان بصوتك دى مش مشكلتى” فرد سعد” غلطان وقليل الأدب وقفت ساندى موزعة نظرات الأسى والحيرة على منير وسعد فبكى أبنها منير ثم قال منير ” أنا هأسكت علشان أبنك أتخض الله يكون فى عونه” فقال سعيد” إنت عايز تتربى” فرد عليه منير أنا مش هأرد عليك علشان إنت مبتفهمش معاك مراتك وعيالك وبتتخانق …أسكت بقى”  تعالت الأصوات وتداخلت ووصل المترو إلى محطة الزهراء فصاح سعيد فى ساندى إنزلى ياللى جايبلنا المشاكل سرح منير مرة أخرى وعاد بذاكرته إلى الوراء عندما كان فى الصف الثالث الإعدادى وقابل ساندى صدفة وبهرته بضفيرتها السوداء الداكنة ومريلتها الرصاصى وهدوئها كانت أسعد لحظات حياته عندما كان ينتظرها على الكورنيش يتمشيا سويا ويحكيان لبعضهما تفاصيل يومهما ظلا على هذا الوضع  حتى كبرا سويا وألتحقا بكلية الأداب قسم التاريخ سويا  ولكن بعد التخرج أجبرها أهلها من الزواج من سعد الغنى وسافرت معه إلى الكويت وأنجبت منه منير وريتاج ولكنه دائما وأبدا يتعامل معها على أنها خادمة كل المطلوب منها أن تلبى طلباته هو فقط حتى على حساب طلبات أولاده  كانت تنظر إلى منير بإنكسار نادمة أنها أستسلمت إلى رغبة أهلها  وودعت منير والدموع فى عينهما كان لقاءا حزينا على النفيض تماما من لقاءاتهما منذ الإعدادية كان منير يحاول طمأنتها بنظراته وأن يوصل رسالة إليها مغزاها أنه سامحها ولكن هى لم تسامح نفسها لأنها أخترت الإستسلام لم تعى أن القرارات المصيرية لابد فيها من التأنى والإختيار بعناية فقد تسببت بخضوعها إلى تدمير حياتها ….أنها تختنق وتموت فى اللحظة الواحدة ألف مرة بالبطىء ….تذكر عندما بكت وقالت له إنسانى ….قالت له ذلك ولم تنساه حتى أطلقت أسمه على أبنها حتى يظل أمامها طوال الوقت وكأنها تجلد ذاتها وتعذبها لتندم كلما تذكرته…أنها لعنة الندم ..واصل هو رحلته ونزل فى محطة جمال عبد الناصر ظل يسير حتى أختفى وسط الزحام

(3)

لذة الإنتصار

إبتسم وشرب من الماج ونظر بعمق إلى دخان الشاى الذى يتراقص على أنغام العندليب وتذكر عندما تركته بأنانية منقطعة النظير سعيا وراء مصلحتها الشخصية وهو أسلوب حياتها منذ أن عرفها كان يعلم هذا تماما ومع ذلك يتصدى لكل من كان يصفها بالأنانية كان يراهن أنه بحبه سوف يغيرها ويكسب الرهان عليها ولكنها كعادتها راهنت على الخسارة تركته ….خسرت كل شىء وخذلها من راهنت عليه.. تيقنت أن لعنته مازلت تطاردها أما هو فقد صادفته من غيرت معنى حياته من جعلته ينتصر لمبادئه من جعلته يبرهن على أن الحب هو الأبقى من جعلته يرى قصة الحب الأسطورية التى عاش من أجل تحقيقها فى الواقع….. أنها رغبته المستميتة فى الرهان على مبادئه ….أنتصرت مبادئه على الواقع المزيف وعلى أوهام الطامعين…تذكر كل هذا عندما شاهد “فرح”  التى تعرف عليها فى نقابة الصحفيين ذات مرة  فبهرته بذكائها وكلامها المنمق الذى يخرج بميزان كان يتحجج أن يقابل أصدقائه فى النقابة حيث كان له صحفى صديق هو “حسن” وعندما أقترب منها وجد أن ماكان يبهره مجرد ديكور هش ولا يمت بصلة لما رأه فيها …..أفاق ثم نهض وأدار موسيقاه المفضلة حيث يعشق الموسيقى الفرنسية القديمة وعاد لذكرياته مع ” فرح” فكان اللقاء الأخير حيث حدد معها موعد وقال لها” تعالى محضرلك مفاجأة” وكان ينوى أن يحدد معها موعد للخطوبة ولكن كانت هى الأسرع وقالت له أنها غير راضية عن علاقتهما وتستعد للزواج …وأخذت تعدد له فى مزايا  من أختارته شريكا لحياتها شاب طموح وغنى و….. و…… ضحك ضحكة عميقة وقال لها ” اللى مرهنش عليا خسر واللى مبيرهنش عليا بيخسر واللى مش هيراهن عليا هيخسر” بعد فترة قابلها صدفة وطلبت منه العودة ولكنه رفض رفضا قاطعا وقال لها أنامش ببص ورايا ومبفتحش صفحة قفلتها  ومنها إلى “سهر” التى تعرف عليها فى الميدان أثناء الثورة وأكتشف أنها من المنتفعين من الثورة وتحفظ بعض الشعارات التى لاتؤمن بها فقال لها” أنا مينفعش أكمل حياتى مع واحدة خاينة …خاينة للناس”….ترك كل هذا وتذكر أيامه فى السجن بسبب الرواية التى فضح فيها نظام مبارك وهاجمه بشكل مباشر  تذكر عندما رفض نشرها سبعة دور نشر والدار الثامنة التى نشرتها تم غلقها وحبس صاحبها وحبسه تذكر الزنزانة المظلمة التى كانت تحتكر الرطوبة لصالحها وتخاصم الشمس…تذكر عندما أحترقت اللمبة وطلب لمبة جديدة فتذكروه بعدها بخمس سنوات بلمبة جديدة …عاش سبع سنوات فى سجن العقرب كان أغلب الوقت صامتا متأملا  كأنه يدخل فى تحدى جديد للحياة ونفسه…تذكر “سما “التى تعرف عليها قبل دخوله السجن وبمجرد علمها بسجنه تزوجت وبعد سنة طلقها زوجها ورماها فى الشارع بعد منتصف الليل ….ولم تجد سوى منير وذهبت إليه الساعة الثانية صباحا فأستقبلها ووضع لها العشاء وخصص لها غرفة  فتجرأت فى الصباح وطلبت منه العودة إلا أنه قال لها” مينفعش كل واحد فينا أختار طريق ومينفعش نرجع”…كعادته فكر منير أن يتمرد فقرر أن يذهب إلى دور مسنين قاصدا جاره “عم محروس”  طلب مقابلته

جاء عم محروس نظر إليه بأسى: أزيك يامنير يا أبنى

منير طبطب عليه وقال له: أخبارك أيه ياعم محروس….يارب تكون بخير

محروس فى حزن: ينفع خالد ومحسن أصحابك يعملوا فيا كده قول لهم أبوكوا نفسوا يشوفكم قبل مايموت

تتحجر الدموع فى أعين منير: بعد الشر عليك ربنا يديك الصحة

يبكى محروس:أنا تعبان أووووى يامنير حاسس إن نهايتى خلاص جت ..نفسى أشوفهم قبل ما أموت

منير بتأثر: بعد الشر عليك …حاضر هأخليهم يجيوا غصب عنهم….يحاول منير التخفيف عنه ويمنحه شنطة ….كل سنة وإنت طيب يارب ذوقى يعجبك

يحضنه محروس : ربنا يخليك ليا

منير فى تأثر: ربنا يخليك ويمد فى عمرك

يترك منير محروس ويقرر أن يتمشى وطوال الطريق أخذ يسترجع ذكرياته مع خالد ومحسن منذ طفولتهم وتدليل محروس لهم حتى زواجهما وتخليهم عن والدهم فى مرضه والتأفف منه ووضعه فى دار المسنين …..ثم توجه إلى دار إيتام وطلب رؤية “أحمد” وهو إبن مسعد جاره وواحد من أعز أصدقائه توفى هو وزوجته فى حادثة ونجا أحمد لم يرضى أحد من أقارب والديه أن يرعاه فقرروا وضعه فى دار إيتام   جاء إلى منير

أحمد: عمو منير واحشنى أووووى

يبتسم منير : وإنت كمان ياحبيبى…معلش مقصر فى زيارتك

أحمد فى حزن: مفيش حد بيزورنى غيرك أصلا

منير بتأثر:معلش أوعدك إنى هأزورك دايما ثم يقدم له شنطة كل سنة وإنت طيب ياحبيبى

يتعانقا ثم يتركه

وطوال الطريق يتذكر أن مسعد وزوجته كانا هما فقط من يزوراه فى محبسه ويضعا له أموال فى السجن بالإضافة إلى الطعام الذى كانا يحضرا به فى الزيارات.

إنها الحياة

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE