.

.

كيف تُهزَم إسرائيل؟!

1 min read

كيف تُهزَم إسرائيل؟!

 

محمود مصطفى

لقد كان لإسرائيل عبر التاريخ ثلاث ظهورات، إذا اعتبرنا الكيان المعاصر امتداداً تاريخياً للدول اليهودية السابقة، الأول يمتد من التأسيس ثم الانقسام إلى دولتين يهوديتين [متناحرتين] إلى اجتياح البابليين لهما، وسبي اليهود في القرن السادس قبل الميلاد.

والثاني: حين أُعيد بناء دولة اليهود على يد الفرس في عام 540 قبل الميلاد، وفي هذه المرحلة تغيرت طبيعة العلاقة بين اليهود والقوى الخارجية، مرة في القرن الرابع قبل الميلاد، حين تغلب اليونان على الفرس، وثانية في القرن الأول قبل الميلاد حين اجتاح الرومان كل المنطقة، وكانت دولة اليهود حينذاك تابعة للقوى المهيمنة إلى حين تدميرها على يد الرومان.

أما الظهور الثالث فكان في عام 1948، لحظة انحدار وسقوط الإمبراطورية البريطانية، ويجب فهم إسرائيل حينئذ كجزء من تاريخ بريطانيا العظمى. وخلال الخمسين الأولى من عمرها، كان لها دور محوري في الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وبمعنى من المعاني، كانت رهينة حركيّة هاتين القوتين).
ويعقد فريدمان مقارنة تاريخية وجغرافية بين دولة اليهود الآن وأسلافها من الدويلات اليهودية السابقة، فيقيم معادلة تخلط بين الماضي والراهن، من حيث الأخطار التي تواجهها إسرائيل الآن من منظور جغرافي، وبغضّ النظر عن الهوية السياسية لجيرانها الحاليين وخياراتهم الأيديولوجية وتحالفاتهم الاستراتيجية.
فيبدأ أولاً برسم خارطة إسرائيل التاريخية والتي تتطابق بدرجة كبيرة نسبياً مع إسرائيل الراهنة، لكن القراءة الجيوسياسية لا تختلف في كل الحالات، إذ تحتل إسرائيل على الدوام البقعة الجغرافية ذات الأهمية نفسها:

(لم تضمّ إسرائيل التوراتية صحراء سيناء، وعلى الساحل شمالاً لم تمتد إلى أبعد من نهر الليطاني [جنوبي لبنان اليوم]، وشرقاً وصلت إلى دمشق، وسيطرت تكراراً على مرتفعات الجولان. وتوسعت إسرائيل في كثير من الحالات إلى ضفتي نهر الأردن، لكنها لم تتوسع عميقاً في الصحراء، كما أنها لم تتمدد أبداً في الجنوب الشرقي باتجاه الجزيرة العربية.

وضمت إسرائيل على الدوام [تاريخياً]، ثلاث مناطق، منطقة المرتفعات الشمالية من سفوح جبل حرمون إلى القدس، ومنطقة السهل الساحلي، من تل أبيب اليوم شمالاً، والمنطقة ما بين القدس ونهر الأردن أو الضفة الغربية حالياً. وفي بعض الأوقات، كانت تسيطر على صحراء النقب جزئياً أو كلياً، بما فيها المنطقة الساحلية ما بين صحراء سيناء وتل أبيب).

وينطلق فريدمان في قراءة الأخطار التي تحيط بإسرائيل، من منظور التضاريس الجغرافية، فيقول:
(إن إسرائيل منيعة جيداً في ثلاثة اتجاهات: فصحراء سيناء تحميها من المصريين، وعموماً فإن سيناء لم تكن جذابة كفاية لهم. فصعوبة نشر القوات في شرقي سيناء تتسبب بصعوبات لوجيستية، وبخاصة إذا كان الانتشار طويل الأمد. وإذا لم تتحرك مصر بسرعة عبر سيناء شمالاً نحو السهل الساحلي حيث بالإمكان التموضع بشكل أفضل، فإن البقاء في سيناء صعب وغير مجزٍ. وما دامت إسرائيل غير ضعيفة ولا يوجد تحريض لمصر من قوة خارجية كبرى، فإن إسرائيل لا تواجه خطراً من الجنوب الغربي.
كما أنها محصنة طبيعياً من الجنوب الشرقي، فالصحراء جنوب شرقي إيلات العقبة لا يمكن أن تجتازها قوات كبيرة. وإلى هذا، فإن قبائل الجزيرة العربية تفتقد إلى الحجم الكافي لتشكيل تهديد، إلا إذا انضمت إلى قوات أخرى. ومع ذلك، فإن التقرّب [الميداني] من الجنوب الشرقي غير محتمل، والنقب آمن من هذه الناحية.
ومن ناحية الشرق، فإن إسرائيل مؤمّنة بواسطة الصحراء كذلك، والتي تمتد ما بين 20 إلى 30 ميلاً شرقي نهر الأردن. ويضاف إلى ذلك، أن القوات المحلية هناك تفتقد إلى الأعداد الكافية لاختراق الضفة الغربية[7].
وما دامت إسرائيل تتحكّم بالضفة الغربية، فستبقى الضفة الشرقية تحت النفوذ الإسرائيلي، أحياناً مباشرة عبر الاستيطان، وأحياناً أخرى بطريقة غير مباشرة عبر التأثير السياسي، أو الاقتصادي أو الأمني.
أما نقطة ضعف إسرائيل فهي في الشمال حيث لا توجد موانع طبيعية بينها وبين فينيقيا شمالاً (لبنان حالياً). وأفضل خط دفاع عن إسرائيل شمالاً هو نهر الليطاني، لكنه ليس خطاً منيعاً في كل الأحوال.
ومع ذلك، فإن المنطقة على طول الساحل شمالاً لا تشكّل خطراً جدّياً، فازدهار هذه المنطقة يقوم على التجارة في المتوسط، وتوجهها الأساسي نحو البحر غرباً ونحو طرق التجارة شرقاً، وليس إلى الجنوب. وليس لديها رغبة في الصراع الممكن أن يخرّب التجارة. وستبقى هذه القوة بعيداً عن طريق إسرائيل معظم الأحيان. وبسبب ما تتمتع هذه المنطقة من ثروات، فإن الصراعات الداخلية تتزايد فيها، كما تكثر فيها الاضطرابات. ولكن كل هذا، لا يصل إلى درجة تهديد النظام في إسرائيل، رغم غياب الحدود الطبيعية من جهة، والكثافة السكانية شمالاً من جهة أخرى.
أما الجار الذي يمثّل خطراً دائماً في الشمال الشرقي فهو سوريا، وتحديداً المنطقة الخاضعة لدمشق في أي وقت، وهي منطقة مأهولة وليس لديها غالباً منفذ مباشر نحو البحر، وهي فقيرة عامة. في شمالها، آسيا الصغرى [تركيا الحالية] وهي منطقة جبلية، ولا يمكن لسوريا أن تمدّ نفوذها شمالاً إلا بصعوبة كبيرة[8]، لكن القوى القائمة في تلك المنطقة بإمكانها الامتداد جنوباً نحو سوريا. أما شرق سوريا فمحاط بصحراء تمتد إلى نهر الفرات. ولذلك، حين لا يكون خطر ماثل من جهة الشمال، فإن اهتمام سوريا بعد تأمين نفسها داخلياً هو في الحصول على منفذ نحو الشاطئ. واتجاهها الأولوي هو نحو الغرب باتجاه المدن الغنية للساحل الشمالي [لبنان حالياً]، وثمة خيار بديل نحو الجنوب الغربي، أي الساحل الجنوبي التي تسيطر عليه إسرائيل.
وهكذا، فإن اهتمام سوريا بإسرائيل هو انتقائي [أي هو خيار ممكن]، ولكن حتى في هذه الحالة فإن لديها مشكلات جدّية في الصراع معإسرائيل. فمن أجل مهاجمة إسرائيل، يجب توجيه الضربة بين جبل حرمون وبحر الجليل [بحيرة طبرية][9]، وهي منطقة عرضها 25 ميلاً تقريباً.
وبإمكان السوريين الهجوم على جنوبي الجليل، إذا كانوا مستعدين للقتال خلال المنطقة وضرب خطوط الإمداد. وإذا شُنّ الهجوم عبر الطريق الرئيسي، فإن على القوات السورية النزول من مرتفعات الجولان، والقتال عبر تلال الجليل للوصول إلى السهل الساحلي. والجليل هو منطقة من السهل نسبياً الدفاع عنها ومن الصعب مهاجمتها. وعلى أي حال، عندما تتمكن القوات السورية من احتلال الجليل، وتحمي خطوط إمداداتها من حرب العصابات، عندها تبدأ المعركة الحقيقية.
وللوصول إلى الساحل أو التحرك باتجاه القدس، على سوريا القتال في السهل بمواجهة تلال منخفضة، وهذه هي المعركة الفاصلة حيث تتجمع القوات الإسرائيلية، قريباً من خطوط إمداداتها، حيث بإمكانها الدفاع بوجه القوات السورية المتبعثرة على خطوط طويلة للإمداد.
وليس من قبيل المصادفة، أن سهل مجدو أو هرمجدون كما يُسمى أحياناً، له معنى نهاية العالم[10]. هذه هي النقطة حيث على سوريا أن تقرر الخطوة الآتية، لكن الهجوم السوري عليه أن يقاتل بشدة للوصول إلى مجدو، والقتال أكثر للانتشار في السهل).
ويخلص فريدمان بعد هذا العرض النظري إلى الاستنتاج التالي، أن مقولة أن إسرائيل تفتقر إلى العمق الاستراتيجي من حيث المساحة، لا يعني أنها تواجه خطراً داهماً بسبب ذلك، إذ إنها من منظور جيوسياسي:
(تواجه مخاطر محدودة من جيرانها في الجنوب، وتواجه فقط شريطاً ضيقاً مأهولاً شرقي الأردن. وإلى الشمال، يوجد كيان تجاري بحري، ولا يبقى سوى سوريا [إذا هاجمت إسرائيل] والتي عليها المرور عبر فجوة حرمون الجليل، والقتال من خلال خطوط إمدادات طويلة.
وهناك أيضاً، خطر هجمات متوازية على إسرائيل من اتجاهات عدة، لكن هذا يعتمد على مستوى التنسيق بين القوات المشتركة، حتى لو كان لإسرائيل أفضلية القتال في خطوطها الداخلية، بعكس مصر وسوريا اللتين ستعتمدان على خطوط خارجية وجبهات منفصلة، حيث يبدو من الصعب نقل القوات من جبهة إلى أخرى. في حين إسرائيل تقاتل في جبهات متقاربة مع مواصلات جيدة، ما يمكّنها من نقل القوات بسرعة من جبهة إلى أخرى وهزم أعدائها.
ولذلك على أعداء إسرائيل تنسيق تحركاتهم بعناية، وشنّ الحرب بتزامن، ونشر قوات متفوقة في جبهة واحدة على الأقل، وإلا فبمقدور إسرائيل شن الحرب في الوقت الذي تختاره، أو نقل قواتها بسرعة بين الجبهات، وتعطيل التفوق في الحجم الذي يمكن أن يتمتع به أعداؤها[11].
من جهة أخرى، فإن لمصر اهتمامات قليلة باتجاه الشرق، فلديها ساحلها، وتوجهها [الأصلي] هو نحو الجنوب حيث أعالي نهر النيل، في حين تتخوف سوريا من أي هيمنة مصرية على الشرق، لذلك فإن مستوى التنسيق بين مصر وسوريا يواجه عقبات، وشنّ هجوم منسّق هو نادر الحدوث، ولن يكون ضربة مميتة، وسيكون مقدوراً لإسرائيل هزم الهجوم من خلال الأفضليات الاستراتيجية المتاحة لخطوطها الداخلية [التي تسمح بنقل القوات من جبهة إلى جبهة].

الموقع الاستراتيجي
وبالنسبة للموقع الاستراتيجي لإسرائيل على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، يقول فريدمان: (إن الشرق، وإسرائيل خاصة، كان دائماً جاذبة للقوى الكبرى، ولا تكون إمبراطورية متوسطية آمنة بالكامل إلى أن تسيطر على الشرق، سواء كانت روما أو قرطاجة، وإن الإمبراطورية المتوسطية تسعى للسيطرة على الشواطئ الشمالية والجنوبية لضمان جناحها الشرقي. ومن دون الحوض الشرقي للبحر المتوسط، يصبح على أي إمبراطورية متوسطية الاعتماد على الطرق البحرية للتحكم بالشاطئ الآخر، لكن تحريك القوات عبر البحر يترافق مع مشكلات لوجيستية..وإذا تُركت المنطقة دون احتلال، فإن ذلك يُفسح في المجال لقوة أخرى للسيطرة على الموانئ.
وإسرائيل [أي المنطقة الجغرافية التي تحتلها] مهمة لأي إمبراطورية تقوم في الشرق، سواء كانت هذه الإمبراطورية في بلاد ما بين النهرين أو في بلاد فارس، حيث لا يمكن أن يستقر أمر تلك الإمبراطوريات من دون الحوض الشرقي للمتوسط.
كما أن هذا الحوض مهم لأي إمبراطورية جنوبي إسرائيل أو شمالها، فإذا قرّرت مصر التحرك بعيداً عن حوض نهر النيل وشمالي إفريقيا نحو الشرق، فلا بد لها أن تمر بسيناء ثم شمالاً على طول الساحل لتأمين الطرق البحرية.
وحين تتطور قوى آسيا الصغرى مثل الإمبراطورية العثمانية، يكون لديها ميل طبيعي للتحرك جنوباً للسيطرة على الحوض الشرقي للمتوسط، الذي هو ملتقى طرق القارات، فيما تقع إسرائيل على طريق الطموحات الإمبراطورية، حيث تحتل ما يمكن وسمه بأنه
منطقة الالتقاء
للجزء الشرقي من الأرض.
وأي قوة أوروبية تحاول السيطرة على المتوسط أو التوسع شرقاً، تحاول أولاً السيطرة على المساحة ما بين الهندوكوش والمتوسط، وأي قوة شمال إفريقية تتحرك نحو الشرق، أو أي قوة شمالية تتحرك نحو الجنوب، فكلها تلتقي في الشاطئ الشرقي للمتوسط، أي في إسرائيل).

احتمالات إسرائيل
وعلى صعيد ما تتمتع به إسرائيل من احتمالات استراتيجية، في العلاقة مع جيرانها والصراع معهم، يرى فريدمان أنه حين (عندما تكون إسرائيل بمنأى عن الخطر، تميل لأن تكون القوة المهيمنة في الشرق. لكن مواردها يجب أن تكون مخصّصة للحرب البرية، ليبقى القليل منها للحرب البحرية، رغم أنها تمتلك موانئ ممتازة، ولديها إمكانية الوصول إلى الغابات لصناعة السفن، لكنها لم تكن أبداً قوة بحرية.
أما المنطقة شمالاً فكانت دائماً قوة بحرية [يقصد فينيقيا التاريخية وليس لبنان]، لكن إسرائيل الواقعة جنوبي جبل حرمون فكانت مضطرة دائماً لتكون قوة برية.
وإلى جانب الحواجز الطبيعية، لا بد من ذكر [الإمكانيات] الدبلوماسية. فالجيران الرئيسيون هم المصريون والسوريون، فيما من يعيش في الضفة الشرقية لنهر الأردن، مجموعة لا أهمية معتبرة لهم، ديموغرافياً.
ثم إن المصالح مختلفة بين مصر وسوريا:
فاهتمامات مصر هي في جنوبها والغرب منها، ولا جاذبية لسيناء.
وسوريا مهددة دائماً من اتجاهات مختلفة، ثم تحالفها مع مصر لا يضيف لها إلا قليلاً من الأمن.
وفي أسوأ الظروف، فإن لدى مصر وسوريا صعوبات في دعم الواحدة منها للأخرى. وأفضل الظروف الممكنة، من وجهة نظر إسرائيل، حين يمكنها عقد تسوية مع مصر، فتضمن الأمن على حدودها الجنوبية بالسياسة والجغرافيا، فتتحرر من هذه الجبهة، للتركيز على التهديدات والفرص في الشمال.
إن تهديد إسرائيل نادراً ما يأتي من الدول المجاورة، إلا في حالة الانقسام الإسرائيلي داخلياً. واحتلال إسرائيل يحدث عندما تبدأ القوى غير الحليفة لها بإنشاء إمبراطوريات: مثل بابل، وفارس، ومقدونيا، وروما، وتركيا وبريطانيا، وكلها سيطرت على إسرائيل سياسياً، أحياناً للأسوأ وأحياناً للأفضل. وكل واحدة منها سيطرت عليها عسكرياً، دون أن تكون واحدة منها مجاورة لإسرائيل. وفي حين يمكن لإسرائيل أن تقاوم جيرانها، لكن الخطر يكبر عندما تبدأ قوى بعيدة بلعب دور الإمبراطوريات. وهذه مشكلة لإسرائيل، إذ لا يمكنها عزل نفسها عن الرياح البعيدة بسبب موقعها الجغرافي. وعليه، في حين يمكن القوات الإسرائيلية التركيز فقط على مصالحها المباشرة، فإن رؤاها الدبلوماسية يجب أن تنظر إلى ما هو أبعد، وعليها الوقوف مع القوى الكبرى وإلا فإن العواقب ستكون كارثية.
ولذلك ثمة احتمالات ثلاثة لوجود إسرائيل:
أولاً، أن تكون دولة مستقلة تماماً، ويكون ذلك عندما لا تكون قوى كبرى خارج المنطقة [شرقي المتوسط]، ويمكن أن يُطلق على الوضع حينئذ نموذج داود، [نسبة إلى ذروة قوة المملكة اليهودية أيام النبي داود عليه السلام].

ثانياً، يمكن أن تعيش إسرائيل كجزء من نظام إمبراطوري حتى كحليف خاضع، أو ككيان مستقل شيئاً ما، أو كحكم محلي تابع لتلك القوة. وفي كل الأحوال، تحتفظ بهويتها وتفقد هامش الحركة في السياسة الخارجية والقدرة في السياسة الداخلية، ويمكن إطلاق اسم النموذج الفارسي، [نسبة إلى وضع اليهود أثناء الإمبراطورية كتابعين لها].

وأخيراً، يمكن أن تدمّر إسرائيل تماماً مع نفي وهجرة كبيرين، مع فقدان كامل للاستقلال، ويمكن وصف هذا بالنموذج البابلي، [نسبة إلى فترة الإمبراطورية البابلية التي دمّرت الكيان السياسي لليهود].

وعليه،

1- يوجد النموذج الداودي عندما لا توجد قوة إمبريالية خارجية تحتاج للسيطرة على الحوض الشرقي للمتوسط، إن عبر إرسال قوات إليها، أو استتباع إسرائيل فتكون وكيلة لتلك القوى في المنطقة.

2- ويوجد النموذج الفارسي عندما تقف إسرائيل إلى جانب السياسات الخارجية لقوة كبرى.

3- ويوجد النموذج البابلي عندما تخطئ إسرائيل، وتحاول مقاومة قوة كبرى ناشئة.

ولو تابعنا سلوك إسرائيل عبر الزمن [..] لوجدنا أن النموذجين الفارسي والبابلي هما الأكثر توارداً، بسبب الجغرافيا وموقعها الاستراتيجي بالنسبة للقوى الكبرى.

رؤية معاصرة
وحين يتناول فريدمان أخيراً الموقف الجغرافي السياسي لإسرائيل الراهنة، يرسم الصورة التالية:

(بعدما قضى بن غوريون [مؤسّس دولة إسرائيل ورئيس وزرائها الأول] بقسوة على الفصائل اليهودية المنشقة[12] واجه خطر جيرانه العرب، لكنه كان خطراً ظاهرياً أكثر منه حقيقياً. فلبنان كان غير موحّد أساساً، ومهتم أكثر بالتجارة البحرية، وقلق أكثر لمحاولات السيطرة من دمشق، ولم يكن لبنان يشكّل أي خطر حقيقي على إسرائيل.

فيما الأردن الدولة المستنبَتة على شرقي نهر الأردن، كانت أكثر اهتماماً بالسكان الفلسطينيين أكثر من اهتمامها بإسرائيل التي تعاونت معها سراً.

وشكّلت مصر خطراً، لكن قدرتها على حماية خطوط إمداداتها عبر سيناء كانت محدودة للغاية، ومصلحتها في مواجهة إسرائيل وتدميرها كانت بلاغية أكثر منها حقيقية. ولم يكن بمقدور المصريين كالعادة توفير الجهد اللازم للتحرك نحو شرقي المتوسط.

أما سوريا فكانت لها مصلحة حقيقية في هزم إسرائيل، ولكنها لوحدها لم تكن قادرة على العمل الحاسم.
فالخطوط الخارجية لأعداء إسرائيل كانت تمنع العمل المنسّق والفعّال، فيما الخطوط الداخلية لإسرائيل كانت تسمح بانتشار فعال وإعادة الانتشار كذلك. ومن المعلوم أنه بمجرد أن تقوم دولة إسرائيل الموحدة داخلياً ومع إمكانيات محدودة، فإن بقاءها مضمون، ما دامت لا توجد قوة عظمى تعارض وجودها.
فمنذ تأسيسها وحتى اتفاقيات كمب ديفيد عام 1979، كانت المشكلة الاستراتيجية لإسرائيل، تتلخص في أنه ما دامت مصر في سيناء، فإن متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي تستنزف قدراتها العسكرية، فلم يكن بمقدورها نشر الجيش، والحفاظ على الاقتصاد المدني وإنتاج كل الأسلحة التي تحتاج إليها في وقت واحد. وكان عليها أن تقف إلى جانب قوى عظمى ترى فرصتها في تحقيق مصالحها عن طريق تسليح إسرائيل. لذلك، كان الاتحاد السوفياتي راعيها الأول من خلال تشيكوسلوفاكيا، التي زودت إسرائيل بالأسلحة قبل حرب 1948 وبعدها، على أمل الحصول على موضع قدم في شرقي المتوسط. لكن إسرائيل التي تعي مخاطر فقدان استقلالية قرارها، عقدت علاقات مع قوة عظمى آفلة هي فرنسا، والتي كانت تصارع لاسترداد موقعها وفي الجزائر خاصة، وكانت على علاقة توتر مع العرب، فوجدت في إسرائيل حليفاً طبيعياً. وبغض النظر عن عملية السويس عام 1956، فقد رأت إسرائيل في فرنسا راعياً لا يُضعف استقلاليتها. ومع نهاية حرب الجزائر وعودة اصطفاف فرنسا مع العالم العربي، باتت إسرائيل عبئاً عليها، وبعد حرب 1967 فقدت إسرائيل رعاية فرنسا.

ولم تصبح الولايات المتحدة حليفاً جدياً لإسرائيل إلا عام 1967، وكان الحلف في مصلحة أمريكا التي كان لديها موجب استراتيجي وهو هدف إبقاء البحرية السوفياتية بعيداً عن البحر المتوسط، أو على الأقل سدّ الطرق أمامه، وهذا يعني أن تركيا التي تسيطر على مضائق البوسفور يجب أن تبقى داخل الكتلة الأمريكية. لكن ما جرى في الخمسينات أن سوريا والعراق بدّلتا سياساتهما، أواخر الخمسينات، وفي منتصف الستينات كانتا تتلقيان السلاح من الاتحاد السوفياتي، وهو ما جعل موقع تركيا حرجاً، فإذا ما ضغط السوفيات من الشمال باتجاه تركيا، إضافة إلى ضغط سوريا والعراق من جنوبها، فإن النتيجة ستكون غير مؤكدة، على الأقل، وعليه كان التوازن العالمي على المحك. وبالمقابل، استخدمت الولايات المتحدة إيران لتشتيت التركيز العراقي، وكانت إسرائيل مفيدة لتشتيت الجبهة السورية، وهذا ما أعان على تأمين تركيا من الضغوط بكلفة منخفضة نسبياً وبمخاطر أقل.

لكن ومع اصطفاف إسرائيل إلى جانب قوة عظمى، فقدت هامش المناورة، وعلى سبيل المثال، كانت في حرب 1973 مقيّدة الأيدي فيما أن يمكن أن تفعله لمصر. وما عدا ذلك، بقيت إسرائيل مستقلة داخلياً، وحرة عموماً في متابعة مصالحها الاستراتيجية.

ومع انتهاء الأعمال العدوانية مع مصر [عقب التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد]، وضمان عودة سيناء كمنطقة حاجزة، برزت مرحلة جديدة لإسرائيل. فمصر عادت إلى موقعها التقليدي، والأردن قوة هامشية في الضفة الشرقية، ولبنان كان في وضعه الطبيعي غير مستقر، وسوريا وحدها كانت تمثل تهديداً لإسرائيل، وهو تهديد يمكن احتواؤه على أي حال، بسهولة، فسوريا لوحدها لا يمكنها أن تهدّد بقاء إسرائيل.

وعليه، ساد النموذج الداودي بمعنى من المعاني، فبقاؤها لم يكن في خطر، والمشكلات الناشئة يمكن احتواؤها ما دامت إسرائيل موحدة.
لكن الخطر لن يأتي إلا إذا سعت قوة عظمى للسيطرة على حوض المتوسط، أو لاحتلال المنطقة ما بين أفغانستان والبحر المتوسط.
على المدى القريب، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي بدا ذلك غير ممكن. فلم تكن توجد قوة عظمى لديها الرغبة والإرادة لركوب هذه المغامرة. والحقيقة الآن في العالم، أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة ولديها متطلبات قليلة من إسرائيل مما يمكن اعتباره. لكن من طبيعة الأمور أن تهدّد الولايات المتحدة مصالح القوى العظمى الأخرى، وأن تسعى هذه لتشكيل تحالفات ضدها، وستتشكل هذه التحالفات لا محالة، وستكون الخطر التالي لإسرائيل.
قد تتحرك قوى عظمى نحو وادي نهر الأردن أو تتحالف مع سوريا، وقد تتحرك إلى لبنان أو تتحالف مع إسرائيل لضمان السيطرة على شرقي المتوسط. وقد توجد ظروف تعيد النموذج البابلي لإسرائيل أي النفي والتدمير، أو تضطر إسرائيل لتكون ضمن النموذج الفارسي أو تحت السيطرة الرومانية.
ولن يكون الخطر الفلسطيني هو ما يهدّد إسرائيل، بل هو مزعج فقط ما دامت الوحدة الداخلية قائمة. كما أن سوريا ومصر لا يهدّدان وجود إسرائيل حتى لو شنتا هجوماً منسقاً. إن الخطر تاريخياً يأتي من انقسام داخلي أو قوة عظمى خارجية يجذبها الموقع الجغرافي لإسرائيل مما لا قدرة لها على مقاومته، حتى لو كان ممكناً احتواء هذا الخطر من خلال الاستناد إلى قوة عظمى راعية حيث تتناقض مصالحها مع مصالح القوة الأخرى).
ويختم فريدمان مطالعته بالقول:
(واقع إسرائيل أنها دولة صغيرة، وعليها معالجة الأخطار القادمة من خارج المنطقة. ويمكنها البقاء فقط إذا ناورت القوى العظمى التي تملك موارد أضخم بكثير منها، وعليها أن تتعامل معها بذكاء.
لكن لا تبقى دولة ما ذكية دائماً، وتاريخ إسرائيل يشير إلى أنه في بعض الحالات فإن بعض أشكال الخضوع للأقوى لا مفر منه، وهو ما حاصل الآن مع الولايات المتحدة ولو في مدى محدود جداً.
إن استعادة الاستقلال الداودي صعب. واستراتيجية إسرائيل يجب أن تكون إدارة خضوعها الفعال عبر التعاطي بذكاء مع راعيها، كما فعلت مع فارس سابقاً. لكن الذكاء ليس معطى جيوسياسياً. هو ليس دائماً، وليس مؤكداً. وهذه هي الأزمة الدائمة لإسرائيل).

ملاحظات أساسية
1- إن قراءة جورج فريدمان لمصائر إسرائيل جيوسياسياً، ليست شاملة، أي لا تأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات والمتغيرات الراهنة، بل هي مبنية على افتراضات محددة، منها ثبات خيارات القوى السياسية المجاورة لإسرائيل تاريخياً، بثبات المعطى الجغرافي، فكأن هذه القوى تتصرف بالطريقة نفسها في كل وقت، وفق المصالح الجغرافية نفسها، ما دام مكانها ثابتاً.
2- جعل فريدمان من تصدّع القوى العظمى بعد الحرب العالمية الثانية سبباً رئيسياً لقيام إسرائيل المعاصرة، وعليه، فإن الخطر الأكبر الذي يهدّدها الآن وغداً، هو نشوء قوة عظمى معادية لها، لديها كل الموجبات والمبررات لاجتياح الموقع الاستراتيجي التي تحتله دولة إسرائيل، مع وجود إمكانية وحيدة لتشكيل خطر جدي من الدول المجاورة لها، إن تمكنت تلك الدول من توحيد جهودها وشنّ حرب منسقة عليها من كل الجبهات.
3- ثمة إشارة مهمة إلى احتمال نشوء خطر إمبراطوري يمتد من جبال الهندوكوش أو أفغانستان إلى البحر المتوسط، على شكل قوة عظمى معادية لإسرائيل، ولا يذكر فريدمان هوية هذه القوة، وإن كان الاتحاد السوفياتي كما يقول، كان مرشحاً للقيام بهذا الدور، أواخر السبعينات حين اجتاح أفغانستان، لكن مع انهيار الخطر الشيوعي، لا يتطرّق فريدمان إلى أي قوة إسلامية محتملة رغم ما يعتمل في تلك المنطقة من مخاضات.
4- لا يضع فريدمان من ضمن حساباته لبقاء إسرائيل أو زوالها، المتغيرات الأيديولوجية في المنطقة، بل الأشكال الصراعية غير التقليدية، والتي تخطت عوائق وقيود الجيوش النظامية، بحيث لا يعود التحليل الجغرافي التقليدي بقادر لوحده على ملاحقة المعطيات الجديدة، والتي تتميز بالمرونة العالية.
5- نقطة ضعف إسرائيل جغرافياً تقع في شماليها، (لبنان)، حيث الكثافة السكانية ولا موانع طبيعية، وكذلك في شمالها الشرقي، أو المناطق الخاضغة لسلطة دمشق في أي وقت، حيث لا تختار سوريا الصدام مع إسرائيل بشكل انفرادي، رغم مصلحتها الجغرافية السياسية الواضحة.
ومن الملاحظ، أن الطبيعة الوادعة لسكان لبنان، قد تغيرت بسبب عوامل عدة، كما أن ميول سوريا الجغرافية نحو الغرب والجنوب لم تتغير، بل تغيرت الأساليب بحسب الطبيعة الانتهازية للنظام الأقلوي.
6- يلاحظ أيضاً، أن فريدمان يقلّل من الأهمية الاستراتيجية لمرتفعات الجولان عموماً، فحتى لو تمكنت القوات السورية النازلة منها، من اختراق الجليل، فإن امتداد خطوط الإمدادات، بمقابل قرب إمدادات القوات الإسرائيلية، يجعل من المعركة غير متكافئة لمصلحة اليهود، إلا إن كانت إسرائيل مشغولة بجبهات أخرى. بل إن احتلال إسرائيل الآن لمرتفعات الجولان، وقربها الشديد من دمشق، يجعل المخاطر معكوسة

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE