.

.

ناصر بين المشروعات الكبرى والكوارث الضخمة

1 min read

ناصر بين المشروعات الكبرى والكوارث الضخمة

 

 

مصطفى محمد

واحد من أكثر الرؤساء الذين تولوا حكم مصر إثارة للجدل فهو له عشاق مؤيدين لدرجة التقديس ومعارضين لدرجة أقصى درجات الكراهية ..فى كل قرار أتخذه وكل تصرف صدر منه لاقى كل التفسيراتالتى لا يمكن أن تتوافق مع بعضها البعض مؤيدوه يروه وطنى حتى النخاغ وواحد من أبرز من أطلق مشروعات ضخمة وعملاقة مثل مصانع  الحديد والصلب ومجمع الألومنيوم والنصر للسارات وبسكو مصر والسد العالى  وتأميم قناة السويس  وغيرها أما معارضوه يروا أنه كان خائن وعميل وتسبب فى ضياع السودان وغزة ونسب إنجازات الملك فاروق ومحمد نجيب لنفسه وأدخل مصر فى دوامة الحروب مثل حرب اليمن ونكسة يونيه 1967 وضيع الإحتياطى النقدى والذهب الذى تركه فاروق فى خزانة البلاد  على  وهم القومية العربية والزعامة وكان متشقدا بشعارات جوفاء بينما هو عميلا للأمريكان وهجومه على أمريكا وبريطانيا ماهو إلا ستار ليضلل الناس عن ولائه لهم

ولكن تظل نكسة يونيه 1967 من الأحداث التى توقف أمامها التاريخ طويلا لذا كان لازما أن نتحدث عن كواليس تلك الفترة 

– إن نظرة سطحية على الواقع العربي قبل العدوان العسكري في 1967 تكشف فورا عن المناخ الذي كان يحيط بالنظام الناصري وعلى إمكانياته الفعلية في التحرك الطليق والمناورة المتحررة من الضغوط الإقليمية والدولية . لقد كان النظام الناصري محاصرا , من كل الإتجاهات , بأنظمة تقليدية رجعية معادية بشكل كامل أو جزئي للمشروع الناصري . ففي الغرب كان النظام الملكي الليبي متورطا في علاقات مع الغرب نتج عنها مجموعة من القواعد الأمريكية والبريطانية على الحدود المصرية الليبية أو بالقرب منها ( قاعدي العضم وهويلس ) . ويذكر ” محمد حسنين هيكل ” أن : ” المعلومات الملتقطة على الشبكات البريطانية والأمريكية ( قبل العدوان العسكري ) كانت غير داعية للطمأنينة . وقد أوضحت هذه المعلومات أن هناك تحركات لمجموعة كتيبة من الدبابات في منطقة ” التميمي” غرب ” طبرق ” , كما أن قوات أمريكية دخلت الى ولاية ” برقة ” قادمة من ” طرابلس ” . ثم أظهرت برقية ملتقطة على الشبكة البريطانية أن القوات البريطانية في مطار ” العظم ” القريب من طبرق قد أقامت نقطة تفتيش يقوم عليها جنود بريطانيون بدون إشتراك أي عنصر ليبي ” ويبدو أن هذه التحركات الغريبة كانت قد أقلقت العناصر الوطنية والدينية في ليبيا و فأرسلت بعريضة الى الملك تطالبه بوقف هذه التحركات ووضع اليهود في ليبيا تحت الحراسة والسماح للقوى الوطنية بالحركة والتعبير عن مساندتها لمصر . ثم طالبت العريضة بضرورة تخصيص ميزانية ضخمة توضع تحت تصرف : إخواننا الذين ينهضون بواجب الجهاد ” . كما قالت عريضة القوى الوطنية الليبية . وكانت الأحوال في السودان كذلك على حافة خطرة , فإن الحكومة المدنية التي جاءت الى السلطة بعد سقوط الإنقلاب الذي قاده الفريق ” إبراهيم عبود ” و قد عادت سنة 1966 لكي تعيد نفس الأجواء التي أدت الى سقوط الحكم المدني عام 1958 .

وعلى الحدود الغربية لليبيا كان النظام الحاكم في تونس ( نظام الرئيس حبيب بورقيبة ) نظاما تقليديا محافظا من الناحية الطبقية وليبراليا علمانيا فيما يخص الموقف من مسائل الدين والهوية العربية , التي كانت تصل في بعض الأحيان الى حد الإستهانة بالتقاليد الإسلامية الراسخة الخاصة بصوم شهر رمضان . بإختصار كانت ليبراليته الدينية تتعارض بشكل كامل مع رجعيته الطبقية والسياسية . على كل حال كان النظام التونسي يرى في شعبية ” عبد الناصر ” الطاغية تهديدا ايديولوجيا وسياسيا لوجوده وعنصرا من عناصر عدم الإستقرار لنظامه السياسي .

– -وفي الجزائر , كان الإنقلاب العسكري للعقيد ” هواري بومدين ” قد أطاح بحكم الرئيس ” أحمد بن بيلا ” عام 1965 والذي كان ينتهج نهجا ناصريا واضحا في كثير من المسائل الخاصة بحركة التحرر الوطني في العالم الثالث . وقد ظلت العلاقة الخاصة بين عبد الناصر وبن بيلا تلقي بظلالها على علاقة البلدين من وقت الى آخر . ولكن في الأيام الأولى لشهر يونيو / حزيران 1967 كان الرئيس ” بومدين ” في حالة معنوية عالية وفي رأيه أن الآوان قد آن لضرب إسرائيل وردع خطرها .. ومع ذلك فقد كان رأيه في المحصلة الأخيرة هو أنه لن تحدث حرب لأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في وضع يسمح لها بالقتال في الشرق الأوسط . وإسرائيل لن تستطيع القتال بدون أمريكا أو بدون أوامر من أمريكا مؤكدة بضمان . فإذا كانت إسرائيل وحدها هي التي ستحارب , فهي غير قادرة على أن تقاتل في ثلاث جبهات مرة واحدة ( مصر والأردن وسوريا ) . وقد أثبتت الوقائع والوثائق عكس هذا التقدير , فالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كانت تعدان بالفعل الخطة العسكرية للعدوان العسكري , خلافا لكل التقديرات .

– ولكن الأمر الذي قد يحتاج تعليقا في هذه الفقرة , هو موقف القيادة الجزائرية المحبذ للعمل العسكري في مواجهة إسرائيل في هذا الوقت . لسبب بسيط هو أن القيادة السياسية التي كانت تحكم في دمشق كانت متأثرة عقائديا وسياسيا بالتجربة الكفاحية الجزائرية منذ إنتصار الثورة الجزائرية وبشكل خاص ثلاثي ” الأطباء ” الذي كان يتصدرون الواجهة السياسية العلنية آنذاك ( الدكتو نور الدين الآتاسي رئيس الدولة .. الدكتور يوسف زعين رئيس الوزراء .. الدكتور إبراهيم ماخوس وزير الخارجية ) . من المفيد هنا ذكر محضر الإجتماع الذي تم بين الرئيس ” جمال عبد الناصر ” وبين الوفد السوري في القاهرة بتاريخ 2 نوفمبر 1966 والذي رأسه ” الدكتور يوسف زعين ” وضم إاليه ” الدكتور إبراهيم ماخوس ” وزير الخارجية واللواء ” أحمد سويداني ” رئيس أركان حرب الجيش السوري , والعقيد ” عبد الكريم الجندي ” مدير العمليات والدكتور ” سامي الدروبي ” سفير سوريا في القاهرة . في هذا الإجتماع عرض الوفد السوري نظريته ” في الحرب الشعبية ” . وعندما ناقشهم الرئيس ” عبد الناصر ” في افكارهم عن الحرب الشعبية كان رد الدكتور ” يوسف زعين ” هو : ” إننا لا نستطيع أن نتصرف بالطريق الكلاسيكي العادي , والمفتاح في رأينا هو تفجير طاقات الشعب .. قد يكون هذا الكلام في حيز العموميات وقد بدأنا نسوي دراسات حوله وندرس تجارب العالم , ندرس الجزائر مع تقديرنا لإختلاف الظروف , وندرس فيتنام ونضع شعار ” الحرب الشعبية ” موضع التطبيق . لابد أن ندرب الشعب , وأن ندعو كافة المواطنين الى حمل السلاح واستعماله وهذا هو الطريق الأضمن الذي يقودنا للنصر ولا بد أن نقف جميعا تحت شعار ” الحرب الشعبية ” . وهنا أبدى ” عبد الناصر ” ملاحظة قال فيها للدكتور ” زعين ” أراك تقلب الأوضاع . لا بد أن نجد الحل الصحيح أولا ثم نعبر عنه بشعار نقف تحته .. أما أن يصبح الحل هو الشعار , فهذا منطق يصعب علي فهمه “. ( الإنفجار , مصدر سابق ) . بالفعل كان الثلاثي الحاكم في دمشق , ومجموعة الضباط التي كانت وراءهم , قد دخلوا في مناخ فكري وعقائدي وسياسي يدفع الأمور بإتجاه المغامرة العسكرية دون أي حسابات للقوة حقيقية , ودون حساب لما يجري وراء الستار من استعدادات أمريكية واسرائيلية لإصطياد ” عبد الناصر ” بالذات وليس أحدا غيره . لقد علق على هذا الموقف فيما بعد المفكر السوري الراحل ” ياسين الحافظ ” بقوله : ” … بعد أحداث 18 تموز 1963 وإنفراد حزب البعث بالسلطة , تفاقم الصراع السياسي بين القاهرة ودمشق . وكان الموقف من مسألة تحرير فلسطين إحدى اهم النقاط التي دار حولها هذا الصراع ومادته الرئيسية في المعركة الإعلامية الناشبة بين العاصمتين . وبالتحديد في 28 أيلول 1964 ( وقد لوحظ انئذ أن العلاقات بين النظام الأردني والنظام السوري قد أصبحت إيجابية . ولأول مرة في تاريخ سوريا يقوم رئيس الدولة بزيارة السفارة الأردنية مهنئا بعيد جلوس الملك حسين على العرش و كما سمح للصحف الأردنية , ولأول مرة أيضا , بالدخول الى الأسواق السورية ) أطلق نفير المعركة ضد عبد الناصر الذي أتهم انه يقبض من الغرب المعونات والمساعدات لكي يؤجل معركة تحرير فلسطين التي أصبحت ناضجة , أو لكي يصفي قضية فلسطين . وبشكل عام , كانت المواجهة جد هجومية من جانب دمشق , وجد دفاعية من جانب القاهرة . استمرت القاهرة تدافع عن مبدأ ” الوحدة طريق تحرير فلسطين ” , واستمرت دمشق ترفع مبدأ ” تحرير فلسطين طريقا للوحدة ” . كانت المزايدة على عبد الناصر بقضية فلسطين هي اللعبة المفضلة للحاكمين في دمشق منذ الإنفصال عام1961- لكن الحدث الذي إستجد في الشهور القليلة قبل العدوان العسكري هو موقف بعض المنظمات الفلسطينية , وبشكل خاص , منظمة ” فتح ” . فقد ولدت في صفوف بعض المثقفين الفلسطينيين العاملين في الدول العربية البترولية والذين كان القسم الأعظم من قياداتهم متأثرين بالمناخ الفكري والسياسي للهيئة العربية العليا وحزب التحرير الإسلامي , ايديولوجيا هجومية على ” عبد الناصر ” أخذت تصوره – كما يقول ياسين الحافظ – عميل للصهيونية , لأنه يرفض القيام بأي عمل ضد إسرائيل ( الهزيمة والأيديولوجية المهزومة – دار الطليعة بيروت ) . وهنا يسأل ياسين الحافظ سؤالا اراه مهما : ” هل كانت دمشق وفتح اللذان التقيا حول طرح هدف تحرير هو جدول أعمال اليوم بواسطة حرب التحرير الشعبية , سببا في اثارة حرب حزيران 1967 ؟ ويجيب : ” .. بالتأكيد لا .. فاللعبة أكبر منهما بكثير .. لقد كان ممكنا أن يكونا بالفعل سببا في إثارة الحرب لو أن العمل الفدائي كان أكثر فاعلية ضد اسرائيل , ولكن مادام العمل الفدائي لم يكبد اسرائيل سوى قتيل واحد من بداية العام 1967 وحتى إندلاع حرب حزيران . لذا لا يمكن القول أن مسألة العمل الفدائي ضد اسرائيل كانت بمثابة ذريعة استخدمتها اسرائيل والإمبريالية الأمريكية في لعبة قررها البيت الأبيض ” ( ياسين الحافظ , مصدر سابق ) .

– وحتى في اليمن الذي كان يواجه حربا مسلحة على حدوده تحاول نقل معاركها الى أعماقه و راح النظام الثوري فيه والحاكم في صنعاء يتعرض الى انقسامات داخلية قسمت جبهته الوطنية الى ثلاث كتل : كتلة يتزعمها المشير ” عبد الله السلال ” , وكتلة يتزعمها رئيس الوزراء الفريق ” العمري ” وكتلة الساسة المخضرمين الذين أيدوا الثورة في أيامها وأبرزهم ” القاضي النعماني ” . ووصلت التناقضات بين القوى الثلاث الى درجة باتت تهدد القاعدة التي يرتكز عليها الجيش المصري الذي قدم لحماية ثورة الشعب اليمني ودولته الجديدة .

— وكانت الأوضاع في الجنوب العربي ( عدن ) والخليج شديدة التعقيد , فإن الحكومة البريطانية كانت حريصة على ترتيب الأوضاع في هاتين المنطقتين الحيويتين بما يلائم مصالح الغرب فيهما قبل أن يتحقق الإنسحاب البريطاني الذي كان مقررا له عام 1968 , وهو الموعد المقرر لإتمام تنفيذ سياسة الإنسحاب شرق السويس . وكان أهم عنصر في الخطة البريطانية هي التأكد من عدم حدوث اي إتصال ممكن بين هاتين المنطقتين وبين بقية العالم العربي وبشكل خاص مع مصر عبد الناصر .- – اما في العراق فقد كانت الأمور تسير على نفس الصعيد . لقد كانت أحد الثغرات المفتوحة والتي تقلق ” عبد الناصر ” الوضع السائد في العراق . فالحكم في العراق كان ضعيفا ومحاصر بمجموعة كبيرة من الصراعات الداخلية و وكانت بغداد نفسها غارقة في خلاف مستحكم مع دمشق . وكانت المجموعة الحاكمة في بغداد تعتقد أن القاهرة إنحازت لدمشق حين وقعت ميثاق دفاع مشترك معها في مواجهة التحرشات الإسرائيلية ( كما عبر عن ذلك عبد الناصر نفسه في الإجتماع الذي عقده مع الرئيس عبد الرحمن عارف في 4 فبراير 1967 .

كل المعلومات التي ذكرت هي معلومات معروفة سابقا , وفي مصادر متعددة وبشكل أكثر تفصيلا . ولقد ذكرناها هنا لهدف واحد فقط هو أن تتبين الأجيال الجديدة من الشباب العربي طبيعة المناخ السياسي الذي كان يحيط بالمشروع الناصري حينما أتت الضربة العسكرية التي خططت لها طويلا أمريكا وإسرائيل . كان الوضع العربي بمجمله مناوئا للمشروع الناصري بحسن النية أو بسوئها . وهو أمر يجب على المهتم بتحليل أسباب الهزيمة العسكرية أن يضعها في حسابه قبل أن يلقي بالمسئولية على ” عبد الناصر ” . وهنا سيكتشف القارئ الفطن ان تحليلنا للوضع السياسي العربي عشية النكسة به فجوات ثلاث مهمة , هي مواقف الأنظمة الملكية التي كانت موجودة عشية الضربة العسكرية الإسرائيلية ودورها في الجهد التعبوي والمخابراتي في التجهيز للضربة العسكرية ضد ” جمال عبد الناصر ” .

– هل صحيح أن النظام الناصري كان قد أصبح نظاما مختلفا بعد عام 1965 ؟ وهل شكلت الهزيمة العسكرية في 1967 نهاية خط الإستقلال الوطني االذي إنتهجه ” عبد الناصر ؟ على ماذا يستند هذا الإتهام ؟ أين هي وقائع الإتهام وقرائنه ؟ هل الهزيمة العسكرية هي نتيجة طبيعية للفشل الإقتصادي كما روجت عناصر من اليسار العربي ؟ هناك مؤشرات ’ بل وقرائن , تنفي هذه الإتهام و بل وتؤكد ان النظام الناصري حافظ حتى في ظل الهزيمة العسكرية على نهجه التنموي المستقل . بل أكثر من هذا ( وهنا المفاجأة ) إنتهج النظام الناصري خطا للإصلاح الإقتصادي والمالي لمواجهة آثار الهزيمة العسكرية . وقبل أن أدخل في لغة الأرقام والمعدلات لدحض هذه الإعتراضات والإنتقادات و يهمني أن يعرف القارئ وجهة نظر ” عبد الناصر ” غير الرسمية , وأقصد تقييمه غير المعلن جماهيريا حول نتائج الخطة الخمسية الأولى ؟! فسرت كثيرا من المواقف التي كانت غامضة حتى عهد قريب . ولكن هذا الأمر يحتاج الى دراسة خاصة و ليس مجالها هذه المقال . ثم حدثت الهزيمة العسكرية لقد كان ” عبد الناصر ” كبيرا وشجاعا حين وقف ليعلن يوم 9 يونيو / حزيران 1967 مسئوليته الكاملة عن ما حدث واستعداده للمحاسبة . ولقد كانت الجماهير العربية التي خرجت ملتاعة في الشوارع صادقة وكريمة عندما طلبت من ” إبنها ” أن يقف ويصمد ويواجه . لقد أصبح معروفا ما فعله عبد الناصر لإعادة بناء الجيش المصري وتفرغه الكامل ومهام التسليح والتدريب والعمليات حتى أصغرها تأثيرا . ولكن البعض لا يعرف الجهد ” الخارق ” الذي بذله ” جمال عبد الناصر ” في إصلاح النظام الإقتصادي هذا يقودنا لما حدث للإقتصاد المصري بعد الهزيمة العسكرية . هل صحيح أن النظام الناصري كان قد أصبح نظاما مختلفا بعد عام 1965 ؟ وهل شكلت الهزيمة العسكرية في 1967 نهاية خط الإستقلال الوطني االذي إنتهجه ” عبد الناصر ؟ على ماذا يستند هذا الإتهام ؟ أين هي وقائع الإتهام وقرائنه ؟ هل الهزيمة العسكرية هي نتيجة طبيعية للفشل الإقتصادي كما روجت عناصر من اليسار العربي ؟ هناك مؤشرات ’ بل وقرائن , تنفي هذه الإتهام و بل وتؤكد ان النظام الناصري حافظ حتى في ظل الهزيمة العسكرية على نهجه التنموي المستقل . بل أكثر من هذا ( وهنا المفاجأة ) إنتهج النظام الناصري خطا للإصلاح الإقتصادي والمالي لمواجهة آثار الهزيمة العسكرية . وقبل أن أدخل في لغة الأرقام والمعدلات لدحض هذه الإعتراضات والإنتقادات و يهمني أن يعرف القارئ وجهة نظر ” عبد الناصر ” غير الرسمية , وأقصد تقييمه غير المعلن جماهيريا حول نتائج الخطة الخمسية الأولى ؟! مرة أخرى أعود في هذا الصدد لدراسة ” لوتسكيفتش ” التي تحوي بعض المفاجأت المدهشة في هذه القضية : أولا : الإنتاج الإقتصادي : يقول ” لوتسكيفتش : ” … شهدت الفترة بين 1965 الى 1970 إقامة ( 155 ) مصنعا و وإرتفعت قيمة الإنتاج الصناعي 0 بالأسعار الجارية ) من ( 661 مليون جنيه ) عام 1960 الى ( 1144 مليون جنيه ) عام 1965 . وبعد عدوان 1967 و وعلى الرغم من الصعوبات الظاهرة , استمرت الزيادة في الإنتاج الصناعي إلى ( 1634 مليون جنيه مصري ) عام 1970 وإالى ( 1809 مليون جنيه مصري) عام 1971 . وفي الفترة من 1968 -1970 ونتيجة لجهود الدولة في استغلال جميع موارد البلاد تم التغلب بصورة واضحة على الاثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي وبلغت نسبة الزيادة في الإنتاج الصناعي ( وحسب الأسعار السائدة ) في عام 1968 ( 7 % ) وكانت قد بلغت عام 1966 – قبل العدوان العسكري – ( 6% ) , وكانت قد إنخفضت عام 1967 الى ( 3 % ) لتعاود الإرتفاع عام 1968 كما قلنا . وواصلت الإرتفاع في عام 1969 الى ( 9.2 % ) . وفي عام 1970 كانت ( 8.2 % ) وفي عام 1971 ( 10.7 % ) . ( حيث كانت الدولة المصرية تسير على نفس النهج الناصري إقتصاديا ) . وإذا علمنا أن هذا الآداء للإقتصاد المصري كان يتم في ظل خسائر عالية من جراء نسف مصانع منطقة قناة السويس وتسخير معظم الإنتاج الصناعي لسد إحتياجات الجيش , فإن ذلك يجعلنا ننظر للتجربة الناصرية بكثير من الإحترام والتقدير . ( لوتسكيفتش , مصدر سابق )

ثانيا : الإصلاح المالي وميزان المدفوعات : يذكر ” لوتسكيفتش ” ان النظام الناصري , إستحدث بعد عام 1967 نظام ” التمويل الذاتي ” الذي ينص على أن تقوم كل مؤسسة صناعية بإستثمار احتياطاتها لتنفيذ التوسعات اللازمة لها وتطوير وسائل الإنتاج وتطبيق التكنولوجية الحديثة . وقد كان ( 55 % ) من جملة الإستثمارات في قطاع الصناعة عام 1971-1972 من التمويل الذاتي . ويعتبر هذا جزءا من معالم الإصلاح الإقتصادي والمالي الذي كان يهدف الى التوسع في الصادرات وتحسين اقتصاديات مصانع القطاع العام . ومن ناحية ثانية و وبسبب العجز المزمن في ميزان المدفوعات و وبسبب الصعوبات التي أضافها العدوان الإسرائيلي عام 1967 , نهج النظام الناصري في هذه الفترة سياسة جديدة للإصلاح النقدي تمثلت في خطين رئيسين :

الأول إتخاذ إجراءات لزيادة العائد النقدي من التصدير عن طريق تقليل الهوة بين قيمتي الإستيراد والتصدير , الأمر الذي أنعكس بدون شك على التبادل السلعي الذي إنكمش في عام 1970 الى ( 7.6 % ) بالمقارنة بعام 1966 . عند ذلك إنخفض الإستيراد الى ( 26 % ) بينما إرتفع التصدير الى 25 % . ويذكر ” لوتسكيفتش ” أن هذه السياسة كان لها نتائجها الإيجابية في أعوام 1968و 1969و 1970و 1971 حيث زادت المعدلات الفعلية للتصدير عن المعدلات السنوية للإستيراد . اي منذ الهزيمة العسكرية وحتى وفاة عبد الناصر .

اما الطريقة الثانية فصلاح المسار النقدي فتمثلت في إحكام سيطرة الدولة على انفاق النقد وإدخال نظام الإقتصاد الموجه المتقشف . فابتداء من عام 1967 وحتى يوليو 1971 تولت المؤسسة العامة للتجارة منح الموافقة النهائية على استخدام المستوردين للعملات الأجنبية و بعد التصديق على كل عملية من المجلس السلعي المختص . وقد أدت هذه السياسة الى تحسن خطير في ميزان المدفوعات الذي حقق زيادة لصالحه بمقدار ( 5.2 مليون جنيه ) عام 1968 – لأول مرة في تاريخه منذ عام 1954 . ويعلق ” لوتسكيفتش ” على ذلك قائلا : ” وتعتبر مسألة القضاء على العجز في ميزان المدفوعات في ظل ظروف نضالية صعبة للقضاء على آثار العدوان الإسرائيلي ” إنجازا ” مستحيلا لمصر ( المزدوجات الصغيرة من عند لوتسكيفتش ” .

ثالثا : الإصلاح في مجال التجارة الخارجية : تحليل مسار التجارة الخارجية هو أحد المؤشرات التي يمكن حسابها عند محاكمة مدي استقلالية أو تبعية إقتصاد ما . وهي مؤشر يمكن أن يؤكد أو ينفي ما يقول به البعض من إرتداد النظام الناصري عن خطه التنموي المستقل بعد الهزيمة العسكرية . لقد اتبع النظام الناصري – كما قلنا – سياسة قاسية لخفض الإستيراد وزيادة الصادرات . ولقد أدى نمو التصدير المصحوب بانخفاض الإستيراد , وكذلك تعبئة المصادر الداخلية , وارتفاع اسعار القطن والأرز في الأسواق العالمية , أدى ذلك الى تراجع العجز في الميزان التجاري بشدة , فقد تراجع هذا العجز في عام 1968 الى ( 19.3 مليون جنيه ) مقابل ( 202.2 مليون جنيه ) عام 1966 . أما المفاجأة الحقيقية فهي ما حدث عام 1969 عندما حقق الميزان التجاري ” زيادة لصالحه ” مقدارها ( 46.9 مليون جنيه ) – ولأول مرة في تاريخه – وربما المرة الأخيرة أيضا و ففي عام 1970 ظهر العجز مرة أخرى بمقدار ( 10.9 مليون جنيه ) . ولكنه لم يبلغ أبدا ومنذ الهزيمة العسكرية النسبة التي كان عليها قبل النكسة عام 1966 ( 202.2 مليون جنيه ) . الأمر الذي يوضح مدى الجهد الذي بذله النظام الناصري لتحسين وتصحيح أوضاعه الإقتصادية و على عكس ما تروج بعض الفئات اليسارية أو اليمينية المعادية . وقد يقول قائل : أنه لابد من إدخال الدعم العربي الذي كانت تحصل عليه مصر بعد الهزيمة من الدول البترولية في الإعتبار عند حساب هذه الإصلاحات .. أليس كذلك ؟ على هذا الأمر يرد الإقتصادي والمفكر الراحل ” عادل حسين ” في كتابه ” الإقتصاد المصري من الإستقلال الى التبعية ” قائلا : ” … ان الإقتصاد المصري استطاع بعد النكسة ان يحد من العجز في ميزان العمليات الجارية , واستطاع من خلال تحويلات الدعم العربي ( المعونات التي لا ترد ) أن يوجه جزءا كبيرا من العجز في ميزان العمليات الجارية , فقلل بذلك من تورطه في اللجوء الى التسهيلات المصرفية , ولكن ما يجب الإنتباه اليه هو أن ميزان العمليات الجارية قد حقق ” فائضا ” في السنوات 1968-1969 مع وجود الدعم . ولكنه عاد لحالة العجز في السنوات 1970-1971-1972 رغم وجود الدعم , وهو ما يثبت أن أزمة العجز الجاري ظلت مطوقة خلال السنوات العصيبة التي تلت الهزيمة و لتعود الى الإنفجار بعد وفاة عبد الناصر عام 1970 . ( عادل حسين , الإقتصاد المصري من الإستقلال الى التبعية , ص 40 ) .

رابعا : استخراج البترول : استطاع النظام الناصري التغلب على النقص الذي حدث عام 1967 في مجال البترول نتيجة فقد آبار بترول سيناء , وذلك بتشغيل الآبار البحرية بحقل مرجان في خليج السويس , كما زاد هذا الإنتاج بإكتشاف حقل العلمين عام 1967 . وهكذا بعد أن كان انتاج مصر من البترول قبل هزيمة يونيو 1967 حوالي ( 9.5 مليون طن ) في السنة زاد الإنتاج الى حوالي ( 14 مليون طن ) عام 1970 . وفي مجال تصدير البترول نقص تصدير البرول عام 1967 من مصر الى ( 755 ألف طن ) ولكنه عاد للزيادة عام 1970 الى ( 3.5 مليون طن ) !!

خامسا : في مجال الزراعة : على الرغم من الهزيمة العسكرية والضغوط التي واحهها النظام الناصري للتخلي عن سياسته الثورية تحت دعوى عدم تنشيط الصراعات الطبقية الداخلية , إلا أنه اصدر في عام 1969 قرارات تحديد الملكية الزراعية بحيث لا تزيد عن 50 فدانا للفرد ومائة للعائلة الواحدة . وكان من أهم خصائص هذه المرحلة ” الثالثة ” من الإصلاح الزراعي , انه بالإضافة الى تمليك الراضي الزراعية لصغار الفلاحين , أمكن ضم أجزاء منها في شكل تعاونيات أو مزارع حكومية من أجل تحسين وتطوير طرق إستزراعها . ففي عام 1966 غطت التعاونيات الزراعية حوالي ( 70% ) من السكان المشتغلين بالزراعة وزاد عدد التعاونيات من 1727 عام 1952 0 مع أول قانون للإصلاح الزراعي – الى ( 5323 ) عام 1970 .

سادسا : مجال استصلاح الأراضي : في مجال استصلاح الأراضي و تم في الفترة الأولى من الخطة الخمسية الأولى استصلاح ( 546 ألف فدان ) من الأراضي الجديدة , غير أنها لم تستغل بشكل كامل . وفي عام 1965/1966 تم بالفعل استزراع ( 323.5 الف فدان ) من حوالي ( 734 ألف فدان ) تم استصلاحها حتى يوليو 1966 . ولكن بعد الهزيمة وفي منتصف عام 1968 زاد التوسع في استصلاح الأراضي الى ( 818. 2 الف فدان ) وزاد مع بداية 1970 الـ ( 863.3 ألف فدان ) . إعادة تركيب الصورة لعلنا أسهبنا أكثر من اللازم في سرد المؤشرات السابقة وما تحتويه من أرقام ومعدلات وتفاصيل . وكان هدفنا من ذلك تفحص وقائع الإتهام للناصرية , ولعبد الناصر بالذات , بالنكوص والإرتداد بعد هزيمة يونيو / حزيران 1967 . وقد تكون الأرقام والمعدلات مفاجأة للبعض من الذين يستسهلون القاء التهم دون تمحيص أو تدبر لما يمكن أن تصنعه التعميمات والتبسيطات النظرية من آثار مخربة على الفكر وعلى التاريخ . ولكن تبقى كلمة في نهاية هذه الدراسة ( غير الناجزة ) هي أن تجارب التحرر الوطني الكبرى تتعرض الى صعوبات وعقبات وهزائم ( وهذا هو عظمتها الكبرى في التاريخ البشري ) . وقد تجبر على التوقف أو التراجع خطوات الى الوراء ، ولكنها ما تلبث ان تلتقط أنفاسها وتعاود الصمود والهجوم من جديد محتفظة دوما بنقاء ووضوح أهدافها الإستراتيجية . وهو ما يميز التجارب الأصيلة من التجارب المزيفة العابرة . ويميز أيضا الزعماء الحقيقيين من الزعماء المزيفين . وفي حالة التجربة التي ناقشناها هنا وهي تجربة الهزيمة العسكرية عام 1967 , فقد إتضح للجميع – بعد كشف الوثائق والمواقف الحقيقية – حجم التضليل الذي مارسته القوى المعادية من أجل تشويه التجربة العربية التي قادها عبد الناصر . لقد كان المميز الحاسم لعبد الناصر – في رأيي – هي قدرته المذهلة على تحويل التحديات التي تواجهه الى إنجازات تضاف الى رصيد شعبه قبل أن تضاف الى رصيده الشخصي . ان المعارك التي خاضها كانت كثيرة ، وربما كانت الخسائر ايضا ، ولكنه كان قادرا ومصمما على عدم الإنحناء أو الحياد عن طريق الإستقلال الوطني ومصالح الجماهير العربية الكادحة التي أحبته وأعطته مختارة كل عاطفتها حتى هذه اللحظة . لقد كان عبد الناصر يبدو ” مختلفا ” كل يوم , ولكنه إختلاف نحو الأفضل .. نحو صعيد أكثر ثورية وجذرية. ألا نحتاج الآن , في هذه الظروف , أن نعطي شبابنا وأبنائنا من الأجيال الثقة في تاريخهم وفي قدرات أمتهم العربية المختزنة .. القدرات التي تنتظرهم لتفجيرها

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE