الرئيسية / تقارير / الصمت عن الفساد.. يُعين الفاسدين

الصمت عن الفساد.. يُعين الفاسدين

الصمت عن الفساد.. يُعين الفاسدين

من معاني الفساد إنه يشير إلي خروج الشيء عن الاعتدال قليلا كان الخروج أو كثيرا ويقابله أي يضاده الصلاح وينسحب ذلك علي النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة ومن الملفت أنه تختل لدي كثير من المفسدين‏‏ مقاييس الخير والشر‏ فيزعمون أن إفسادهم إصلاح‏.‏. والفاســـدون دائما يعرفون من أين تُؤكل الكتف‏ ولذلك لا تراهم يضيعون وقتا‏‏ أو يفوتون فرصة‏ فما إن يستشعروا أدني خطر‏ تجدهم يسارعون إلي وضع المتاريس‏ ونصب الفخاخ‏ والتخفي في أكثر من قناع‏.

‏ تارة يقولون لك إنهم لا يبغون سوي المصالح العليا‏ وأخري يزعمون أنهم يرفضون التهرب من المسئولية‏ ومرة ثالثة يدَّعون أنهم لا يسعون إلي أي مطامح‏ أو مطامع ذاتية‏..‏ بالمناسبة يقال إن آية الفاسد‏..‏ المبالغة في إدعاء النظافة‏.‏

هم في الحقيقة يُخادعون أنفسهم‏ ويكذبون وهم يعلمون أنهم يكذبون‏ لكنها النفس البشرية‏ والنزعة الدفاعية المتأصلة في عقولهم الفاســدة‏ وضمائرهم الميته الخربة والعفنه التي تحرضهم علي بذل أقصي ما لديهم من جهد‏ للاحتفاظ بمكاسبهم‏ والتصدي لأي تهديد محتمل‏‏ قد يهز مقاعدهم‏ ويفضح إنحرافاتهم‏ التي يمكن‏‏ في حال فضحها وإنكشافها‏ أن تعرضهم للمساءلة القانونية‏ ولا تستبعد في هذا الإطار‏ المحاكمة الجنائية‏.‏

لا يوجد مجتمع في كل أنحاء الأرض يخلو من الفساد

تلك حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها كما لا يمكن لأحد أن ينكر الدور والتأثير الكبير لذاك الإخطبوط الذي يضرب بأيديه في كل الاتجاهات وما يخلفه من إحباط للنفوس العاملة بجد واجتهاد وتدمير للقيم التي تربى عليها الناس منذ وعيهم الأول بالحياة ولا آثاره السلبية على أساس الدول وبنائها.

لكن المشكلة الأخطر من تلك الآثار التي يخلفها الفساد هي في الصمت عليه وعدم التبليغ عنه وترك الأمر كله على الدولة والاعتقاد بأن أي تدخل لن يفيد في تغيير دفة الأمور.

هذا التبرير الذي نقنع به أنفسنا لم يعد يصلح الصمت عنه فنحن بتلك العقلية نشارك الفاسدين فسادهم ونسمح لهم بتكرار الفعلة طالما آمنوا بأن لا أحد غير الأجهزة الرقابية تراقبهم بعد أن فقدوا الإحساس والشعور بعظم مراقبة الله لهم.

الصمت وعدم الإبلاغ عن الفاسدين هو أيضاً من قبيل عدم العمل بما جاءت به السيرة الكريمة من الأمر بتغيير المنكر وأوضحت طرقه التي تبدأ باليد وهذه بالطبع لولاة الأمر والثانية باللسان وهذه من نصيب من يقدر عليها وهي متاحة الآن عبر الخطابات التي تُرسل إلى أجهزة الدولة نفسها وفي مقدمتها هيئة مكافحة الفساد والافساد أما الإنكار بالقلب فقط فلا يستقيم مع الأمور كونه يسمح بتفشي الفساد أكثر وأكثر.

هناك حالات كثيرة طالعتنا بها الصحف و بعض القناوات الفضائية  للجهود التي تقوم بها هيئة مكافحة الفساد والافساد لأناس أبلغوا عن أمور تتعلق بالفساد وإن لم اطلع بالطبع على تفاصيلها

أو أسماء المبلغين كون الهيئة تفرض سياجاً كاملاً من السرية عليها ولا تسمح حتى لو عرفت الاسم الصريح للمبلغ من التعريف به وإنما تُخضع ما جاء في البلاغ للتحقيق والمساءلة لأن ما يهم هو الفساد وحجمه ومكانه وليس المبلغ عنه.

لست هنا في معرض الإسهاب عن آثار الفساد والافساد وما يفعله بالأمم ويكفي أن العالم الكبير ابن خلدون ذكر في مقدمته المشهورة حادثة تتعلق بفرار آخر ملك لغرناطة بعد سقوطها وهو الملقب بأبي عبدالله الصغير والذي نزل في ضيافة ملك نصراني فزاره الملك في خيمته فوجده يتوسد الحرير وبجواره كؤوس الخمر ولما سأله عن ذلك وكيف أنها محرمة في الدين الإسلامي الذي يدين به الملك السابق تحرج من الإجابة وقال إنه من فعل العبيد الأعاجم الذين يخدمونه وأنهم قدموا بها من بلادهم لكنه فوجئ بالملك النصراني يقول له : لا والله لكنكم حرمتم الحلال وأحللتم الحرام وإنها فتنة وغضب من الله وإني أخشى على بلادي أن تُعاقب بفسادكم وإن إكرام الضيف ثلاثة أيام فخذوا ضيافتكم وارحلوا عن بلادي.

نعم وبكل يقين وعزيمة وإصرار أنه يجب ايصال صوتك الى صاحب القرار وعدم السكوت عن الظلم في حال تعرضك له وكل قوي هناك من هو اقوى منه والله اقوى من الجميع.

الصمت عن الفساد والمفسدين يزيد من فساد الفاسدين وكما تعلمنا فإن المواطن هو المسئول الأول عن أمن البلاد وحمايتها من أعداء الخارج فإنه أيضاً المسئول الأول عن حمايتها من الفساد الداخلي وليس فقط الدولة وأجهزتها.

 

عن Mostafa Mohamed

صحفى شاب عضو نقابة الصحفيين جدول المشتغلين رئيس تحرير جريدة بتوقيت مصر مواليد 7 يوليو 1983

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*